في لحظة تاريخية تتسم بالدم والخذلان، حيث يُقصف الفلسطينيون في غزة بلا هوادة، وتُحاصر مدنهم، وتُهدم بيوتهم فوق رؤوسهم، يطفو على السطح سؤال يبدو في ظاهره معرفياً، لكنه في جوهره أخلاقي وسياسي: هل يمكن للمثقف أو الإعلامي الفلسطيني والعربي أن يُحاور شخصية إسرائيلية "ناقدة" دون أن يُشرعن وجودها؟ دون أن يُجمّل خطابها؟ دون أن يُستخدم كجزء من آلة رمزية تُعيد إنتاج الاحتلال بلغة ناعمة؟
هذا السؤال لا يُطرح في فراغ، بل في سياق تطبيع سياسي متسارع، تُرافقه موجة تطبيع إعلامي وثقافي أكثر خطورة، لأنها لا تُعلن نفسها، بل تتسلّل عبر مفردات "الحياد"، و"التحليل"، و"الانفتاح"، و"الاختلاف"، لتُعيد تشكيل الوعي العربي تجاه فلسطين، لا عبر الإنكار، بل عبر التخفيف، والتأطير، والتجميل.
في السنوات الأخيرة، ظهرت لقاءات إعلامية بين مثقفين عرب وشخصيات إسرائيلية تُقدَّم بوصفها "ناقدة"، أو "متمردة"، أو "صوتاً مختلفاً" لكن السؤال الذي يُغفل غالباً هو: هل يمكن فصل هذا "النقد" عن البنية الاستعمارية التي تُنتجه؟ هل يمكن أن يكون "أبراهام بورغ" أو غيره من رموز المؤسسة الإسرائيلية، ناقداً حقيقياً، وهو الذي شغل منصباً تشريعياً في دولة الاحتلال، وشارك في شرعنة سياساتها؟ هل يُمكن أن يُقدّم خطاباً أخلاقياً، وهو يُساوي بين المقاومة والاحتلال، بين من يُدافع عن أرضه، ومن يُقصفه بالطائرات؟
المثقف، حين يُحاور، لا يُعبّر فقط عن رأيه، بل يُعيد تشكيل الوعي. وحين يُطلّ عبر منصة تُروّج للتطبيع، فإن مجرد ظهوره يُصبح جزءًا من الرسالة، مهما كانت نواياه. فالمنصة تُحدّد السياق، والسياق يُعيد تشكيل المعنى، والمعنى يُعيد إنتاج الموقف.
في هذا المقال، لا نُدين الحوار بوصفه فعلاً معرفياً، بل نُفكك شروطه، وسياقه، وحدوده الأخلاقية. نسأل: هل يمكن استخدام الإعلام كأداة لتفكيك الخطاب الصهيوني؟ أم أن الإعلام، حين يُدار من خارج الوجدان الفلسطيني، يُصبح أداة لإعادة إنتاج الاحتلال؟ هل يمكن للمثقف أن يُمارس النقد من داخل المنظومة، دون أن يُصبح جزءًا منها؟ وهل يُمكن للوعي أن ينجو من التواطؤ، حين يُحاور من يُنكر حقه في الأرض، والكرامة، والوجود؟
هذه الأسئلة لا تُطرح في فراغ، بل في سياق دمٍ يُسال يومياً في غزة، وتهويدٍ يُبتلع في القدس، وحصارٍ يُخنق في الضفة، ونكبةٍ مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود. فحين يُقتل الأطفال، وتُهدم البيوت، وتُحاصر المدن، يصبح كل ظهور إعلامي، وكل كلمة، وكل منصة، جزءًا من معركة الوعي، لا مجرد مساحة للنقاش.
لأن فلسطين، في النهاية، ليست موضوعاً للجدال، بل قضية للانحياز. والمثقف، حين يُراوغ، يُخسر الكلمة. وحين يُساوي بين القاتل والمقتول، يُخسر المعنى. وحين يُحاور دون مساءلة، يُخسر الموقف.