فهم عمى محروس الإشارة فاستدعاني إلى حجرته.. "هل لاحظت؟". "نعم.. لكنني لم أفهم..". كنت أسير مع أبي وعمي محروس وبعض أفراد العائلة في الشارع الرئيسي للقرية.. انكسرت ظلالنا على حائط مقهى عبد الودود.. كانت كل الظلال واضحة ما عدا ظل عمى محروس.. يبدو وكأنه سيتلاشى..
قال: إنها إشارة ذهابي..
امسكني من يدي.. وخرج معي إلى الحقل.. ركب حماره العجوز وركبت خلفه.. الحمار ضامر.. رمادي اللون.. في عينيه ذكاء ما.. ولديه قدرة على الجري مثل حمار شاب.. لم يفكر عمى محروس ببيعه أو استبداله.. يرعاه كأحد أفراد العائلة.. كابنه..
جلسنا تحت شجرة الجميز العتيقة.. والحمار يتحرك بالقرب منا.. لاحظت دموعاً معلقة في عيني الحمار الذي كان ينظر إلى عمى محروس طويلا.. ثم يدير رأسه بعيداً.. ثم يعاود النظر إليه..
نظر عمى محروس إلى الحمار وابتسم قائلا: أتعرف كيف حصلت عليه؟.


كان أخ حفيظة السكير قد منعني يوما من رؤيتها بحجة أنه التقاني على بعد ستين كيلومترا من منزلي في بلدة أغبالة. السفر خروج من الستر وأفق المرأة الوقور حذاؤها. لم تكن هذه الإشادة بمخيلة الإسكافي لتروقني ولا لتروق صديقة الطفولة. كنا نحب المرور أمام المقاهي التي تتحاشاها النساء استفزازا للذكورة المصطنعة. مرة فعلناها تحت المطر بلا مظلات. كنا نمشي الهوينى أمام مقهى عيطون ونتحدث بأصوات عالية منفرة.
ساح دمي على الطوار. انفصل الرأس عن الجسد كأنما قطعه سيف بتار. عز علي أن تظل جثتي ملقاة على الإسفلت فتدوسها شاحنة أو عربة نقل. حاولت أن أصدر الأوامر إلى يدي لترفعا الجثة. لكني أدركت أنهما لم تعودا خاضعتين لتوجيهاتي. الشرايين والأوردة تتدفق نافورة جامحة فتتسع البقعة، متطلعة، ربما، إلى تحقيق مشروع بركة حمراء.
