مقدمة:
في خضمّ الواقع العيني العربي والاسلامي وما يتميز به من احداث ماساوية كالحروب والاستعمار والتقسيم والغزو والمذابح والمجازر والصراعات الطائفية والقبلية يمكن للمفكر ان يثير الاسئلة المؤسسة لقراءة نقدية منصبّة على الاجتماعي والتاريخي. في هذا السياق يتنزّل السؤال "الارسلاني": "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟
ها هنا الإجابة ليست تقريرًا تاريخيًا بقدر ما هي محاولة لاستعادة "الممكن التحرري" من خلال فضح السببيّة الثاوية في فعل التخلّف. لم يعد التخلف هنا من امور الطبيعة ولا القدر بل من امور المجتمع والتاريخ. فقد أدرك أرسلان، أن الاستعمار لم يأتِ فقط من الخارج، بل تسلّل من الداخل أيضًا، عبر بنى دينية ونخبوية خانت إمكانها التاريخي في التحرر.
انّ إعادة قراءة "الارسلانيّة" من زاوية ديكولونيالية تتيح لنا تفكيك بنية الخيانة التي أسّست للكولونيالية، سواء عبر صمت الجماهير، أو تبرير النخب للاحتلال باسم "الاعتذار الباطل"، أو عبر الاتجار بالدين والدنيا معًا. بهذا المعنى، تصبح "الأرسلانية" أرشيفًا نقديًا لخيانة التحرر، حيث يظهر فيها المسلم فاعلًا في تدمير نفسه، وشريكًا في تسهيل الاستعمار، سواء عن قصد أو غفلة.
إن هذه القراءة تسعى إلى مساءلة الأرسلانية لا كأيديولوجيا دفاعية، بل كنصّ يفضح إمكانًا تاريخيًا تمّت خيانته، إمكانا كان يُفترض أن يفضي إلى تحرر سياسي وفكري، لكنه أُجهض وما انفكّ يجهض من داخل الجسد الحضاري ذاته. ومن هنا، فإن هذا العمل يحاول أن يُعيد قراءة أرسلان بوصفه مفكرًا "ديكولونياليًا" ، عرّى البنية العميقة للخيانة الفكرية والسياسية التي سهّلت الغزو الكولونيالي، وربما ما زالت تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة حتى اليوم.
1) في الارسلانية:
"الأرسلانية": نحت اصطلاحي يُشتق من اسم المفكر والمصلح العربي شكيب أرسلان (1869–1946)، أحد أبرز وجوه النهضة العربية الإسلامية. وقد ارتبط اسمه بمحاولة عميقة للإجابة عن سؤال "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟"، وهو عنوان كتابه الأشهر الذي أصبح بمثابة مرجع في الفكر الإصلاحي العربي.
تدلّ "الأرسلانية" على موقف فكري إصلاحي محافظ، مزج بين الإحياء واليقظة والاعتزاز بالهوية مع نقد أسباب التاخّر. وفي سياق القراءة المغايرة، يمكن اعتبار "الأرسلانية" شكلًا من أشكال الديكولونيالية المبكرة، إذ سعت إلى فضح خيانة "الإمكان التاريخي للتحرر"، وانتقدت بعنف الاستعمار، والتغريب، وخيانة النخبة المتعلمنة أو المتخاذلة باسم الدين.
وقد وُصفت هذه النخبة في النصوص الأرسلانية بعبارات صارمة، منها: "الذين يخونون ملتهم، ويناصبون إخوانهم العداوة ابتغاء مرضاة الأجانب والحصول على دنيا زائلة"1، ما يجعل من الأرسلانية خطابًا كاشفًا لبنية التاخّر المقنّعة بمبررات زائفة او بلغة راسلانية "اعذار باطلة"