غالبا ما تتقلّص حظوظ التوافق بين الدارسين بشأن موضوعيْ الهوية الدينية والشخصية الحضارية، حين يطغى الطابع المجرّد على التناول، بدل المعالجة الرصينة التي تدنو من المقاربة العلمية. وهذا ما ينطبق على دراسة وقائع اليهودية أيضا. إذ ليس من السهل اليوم التنبؤ بالاتجاهات الديمغرافية والاجتماعية والثقافية التي تتحكّم بمسارات اليهودية في مستهلّ القرن الحادي والعشرين، ومن ثَمّ رصد آثارها على المستوى البعيد. ولذا بات التعويل على المنهج العلمي، ولا سيما منه الديمغرافي والإحصائي، الأوفر حظّا بالقبول عند معالجة قضايا ذات صلة بالحضور الفاعل للجموع الدينية. على هذا النهج سار خبير الديمغرافيا اليهودية سرجيو ديللا بِرغولا في معالجة قضايا متشعّبة على صلة بالهوية الدينية اليهودية في الزمن المعاصر، وبتكتّل بشري يدين بدين الذين هادوا، قُدّرت أعداده خلال العام الفائت (2023) بـ 15.7 مليون نسمة.
في كتابه الصادر باللغة الإيطالية (2024) تحت عنوان "في معنى اليهودي اليوم.. ثبات الهويّة وتحوّلاتها" -ونودّ أن نشير في مستهلّ حديثنا إلى أنّ الكتاب صيغ قبل أحداث السابع من أكتوبر 2023 في غزّة، وما لها من تداعيات كبرى على المشهد اليهودي العالمي- يوزّع المؤلف سرجيو ديللا بِرغولا بحثه على تسعة محاور تأتي معنونةً في قالب تساؤلات، على غرار ما معنى اليهودي اليوم؟ وما الذي نريد معرفته؟ وما هو جوهر اليهودية؟ وعبر أي مضامين تتجلى الهوية اليهودية؟ وكيف تتجلى الهوية بشكليها الفردي والجماعي؟ وكيف نحصي اليهود ونصنّفهم؟ وغيرها، ويحاول تناول القضايا من منظور ديمغرافي إحصائي، معتمدا الجداول والرسوم، مع ردف ذلك بتحليلات معمّقة وموثّقة.
يستند ديللا بِرغولا في قراءته على الاستبيانات والمعطيات الإحصائية، ويستحضر جملة من الأسئلة الجوهرية التي يحاول الإجابة عنها بلغة الأرقام، مثل هل اليهود في العالم وفي كثير من البلدان هم في تزايد أم في تراجع؟ وعبر الزمن هل أصبح اليهود أكثر تديّنا أم جرفهم التراجع؟ وهل هم متآزرون أم موزَّعون بحسب الأهواء الأيديولوجية والسياسية والعقدية؟ وهل هم أكثر اندماجا في المجتمعات الحاضنة أم هم أكثر التفافا حول بعضهم البعض؟ وهل هم أكثر تقبّلا في المجتمعات الحاضنة أم هم أكثر دحرا وعزلا؟ هذه الأسئلة وغيرها يطرحها خبير الديمغرافيا سرجيو ديللا بِرغولا، الإيطالي المنشأ والمختصّ في الشتات اليهودي وفي التجمع اليهودي في دولة إسرائيل. نشير إلى أن ديللا بِرغولا قد غادر إيطاليا نحو القدس سنة 1966، مع ذلك ظلّ محافظا على تواصله مع الساحة العلمية. سبق له أن تولى مهام رئاسة "معهد أفراهام هارمان" للدراسات العبرية المعاصرة في الجامعة العبرية بالقدس. وقد أصدر مجموعة من المؤلفات منها "إسرائيل وفلسطين وقوة الأرقام: صراع الشرق الأوسط بين الديمغرافيا والسياسة" (2007)، "التحولات الديمغرافية للشتات اليهودي" (1983).