مقدمة:
من منظور سوسيولوجيا الأدب، كل نص أدبي ليس سوى تجربة اجتماعية تجرى عبر واقع متخيل، ورغم كل ما يمكن أن يضعه الأديب من شروط موضوعية لممارسة إبداعه، إلا أن المجتمع يلقى بظلاله على سيرورة العملية الإبداعية، بل ويوجه مساراتها في كثير من الأحيان، فالأدب على خلاف ما يرى أنصار التحليل النفسي، ليس نتاجاً ذهنياً نفسياً خالصاً، بل هو محصلة لتداخل عوامل مجتمعية يحضر فيها النفسي والجمعي والتاريخي، فالمجتمع ملازم للأدب في شروط إنتاجه وتفاصيله أيضاً. والأديب ابن مجتمعه يتأثر بما يتأثر به أفراد المجتمع، وينعكس على إبداعه ما يسود مجتمعه من عادات وتقاليد وعقائد ونظم ومبادئ وأفكار، وهو يعبر عن هموم مجتمعه وآماله مثلما يعبر عن تجاربه وأحاسيسه، ولا يتوقف عند حدود تصوير الواقع كما هو بل يعبر عن رؤيته لإعادة تشكيل الواقع وصياغته.
ويُعد الانتقام أو الثأر للنفس ممن ظلمها أو خانها أو انتقص من حقوقها، جزءا من طبيعة البشر والمجتمعات الإنسانية، ولما كان الخطاب الأدبي ليس مجرد بنية لسانية محايدة، بل هو بنية اجتماعية وتاريخية وسيكولوجية، تحمل ملامح العصر والواقع الاجتماعي ورؤى مُنتِج الخطاب السردي، فقد حفل الأدب بصفة عامة، والرواية بصفة خاصة، بالعديد من الأعمال الإبداعية التي تتناول فكرة الانتقام، بل إن أنجح الأعمال الإبداعية والدرامية على مر التاريخ هي تلك التي قامت على فكرة الانتقام، وقدمت صياغات عميقة لمشاعر الراحة التي تغمر الإنسان الغاضب بعد الانتقام، وهو ما دفع العديد من علماء الاجتماع والنفس للبحث المتعمق حول هذا الجانب الإيجابي وراء فكرة الانتقام.
حيث يرى علم النفس الحديث أن الرغبة في الانتقام تنبع من محاولة الفرد اللاشعورية لتعويض الشعور بالعجز والضعف الناجم عن التعرض للأذى، فالانتقام بمثابة دفاع عن الذات ضد الانتهاك، وحماية لها من الانهيار. كما يربط علم الاجتماع الحديث الانتقام بفكرة الضبط الاجتماعي وانهيار الثقة في العدالة المؤسسية؛ فكلما ضعفت سيادة القانون، زاد لجوء الأفراد إلى الثأر الشخصي لتحقيق العدالة الخاصة بهم وإعادة التوازن الاجتماعي المفقود.
ومن العلماء المعاصرين الذين اهتموا بهذه الفكرة، عالم النفس التطوري بجامعة ميامي مايكل ماكولاه، الذي أمضى ما يزيد على عشر سنوات في دراسة الثأر والصفح، وأكد في كتابه الصادر عام 2008 والمعنون: (ما وراء الانتقام: تطور غريزة التسامح Beyond Revenge: the Evolution of the Forgiveness Instinct) أن الناس في جميع المجتمعات يدركون فكرة الغضب والرغبة في رد الإيذاء بمثله. وأن ما يصل إلى 20 في المئة من جرائم القتل و60 في المئة من حوادث إطلاق النار في المدارس كان لها صلة بالانتقام.
كذلك هناك ارتباط لا ينفصم بين الخيانة - خاصة ما يتعلق بالشرف - وبين الانتقام، وهو ما أكد عليه الفيلسوف وايتلي كوفمان في كتابه: (الشرف والانتقام: نظرية العقاب Honor and Revenge: A Theory of Punishment) الصادر عام 2013، فالانتقام في حد ذاته يعيد شرف الشخص المسلوب. وهو ما يجعل الانتقام مقنعا ومُرضيا للغاية، سواء تم تنفيذه من خلال أفعال انتقامية عفوية، أو عن طريق أعمال انتقام محسوبة ومخطط لها.

مقدمة
تزخر المكتبة العربيّة بالكثير من الروايات عن فلسطين كقضيّة أرض وإنسان وهويّة أصيلة تناولت معظمُها الاحتلال والتهجير ومعاناة الفلسطينيّين. وفي الحديث عن فلسطين في الرواية العربيّة نتناول في هذه الدراسة رواية "شرق النخيل" للأديب بهاء طاهر التي يدور جزء من أحداثها في زمن النكبة العام 1948 وزمن النكسة عام 1967، وإضافة لحكاية النضال الفلسطينيّ وكيف يعمل الاحتلال الإسرائيليّ على سلب الفلسطينيّين حقَّهم بالعيش بكرامة في أرضهم التي لا أرض لهم سواها. وقد تميّزت الروايات العربيّة، ومنها رواية شرق النخيل، بنقل الحكاية الفلسطينيّة بلغة نثريّة وأسلوب فنيّ سلّط الضوء على صدمة النكسة وتأثيرها على الواقع العربيّ وفلسطين، من خلال الحديث عن الحب والسياسة في حياة طلاب الجامعة، وتفاصيل العلاقات الأسريّة حيث فلسطين في الرواية العربيّة هي جزء من تكوين الوجدان الشعبيّ بعيداً عن الأدب الخطابيّ عبر الحكاية والسرد الذي يخترق العقل والعاطفة. وبعد هزيمة عام 1967 استطاعت الرواية العربيّة ترك بصمة مميّزة في تناول سيرة فلسطين ومسيرتها بخاصة في مصر التي هي الأسبق في الحياة الأدبيّة، حيث لم تغب فلسطين عن الحضور في وجدان العرب والمصريّين بالكثير من الروايات، ومنها رواية شرق النخيل التي تناولت ما تعرّضت له قضيّة فلسطين من أكاذيب وإحباط وخيبات أمل، ولكنّها بقيت حاضرة كقضيّة أرض وانتماء وإنسان في الرواية العربيّة التي هي رواية الفلسطينيّين منذ ما قبل النكبة وما بعد النكبة بأقلام المبدعين العرب.

 الفصل الأول:

حكاية الأرض

تركت نكبة فلسطين واقتلاع الفلسطينيّين من أرضهم ومن ثم النكسة، بصمات مؤثّرة في الرواية العربيّة التي تحدّثت عن كفاح الشعب الفلسطينيّ من أجل الأرض والحريّة والاستقلال في ظل الأطماع الإسرائيليّة بالأرض التي هي محور الصراع، وقد عكست رواية شرق النخيل مرارة الهزيمة، كما أكّدت الإحساس العميق بالقضيّة العربيّة الأولى المتمثلة بضياع أرض فلسطين، ولم يمارس بهاء طاهر الوصف في رواية شرق النخيل بل لجأ إلى الرمز لمنح الرواية سمة الإجلال دون مباشرة أو عظة.

وفلسطين وحكاية الأرض في رواية شرق النخيل ظهرت من خلال تناول الدعاية الصهيونيّة التي اتهمت الفلسطينيّين ببيع أرضهم، وبسبب هذه الدعاية لا يحقّ لهم أن يطالبوا باستعادتها. وهذه الدعاية انتشرت وملأت الأرجاء بين الكثير من العرب، وساعد الإسرائيليّون في نشرها وأصبحت تُتناقل بصفتها اتهاماً يوجّه إلى الفلسطينيّين، رغم الكثير من الحقائق والدراسات التي تنفي حصول ذلك في نطاق ما يُسمّى بالتفريط بالأرض وبيعها والتخلّي عنها. ورغم أن رواية شرق النخيل "تدرس جانباً اجتماعياً مهماً، وهو علاقة الطلبة الجامعيّين بعضهم ببعض، وانعكاس نبض الشارع الجامعيّ إزاء القضايا العامة، وتشكيل مزاجهم العام بعد هزيمة حزيران، القائم على القلق والحماسة وفقدان التوازن وانعدام التقدم"(1)، لكنّها في سرد دعاية بيع الفلسطينيّين أرضهم، تظهر حين يقول سمير في رواية شرق النخيل "كنتُ أقول هذا الكلام لعصام وأنا أمزح معه، أقول له أنتم بعتم أرضكم لليهود فلا داعي للتظاهر بالحزن ولا لعبارات "الوطن السليب" و"عائدون" و"أجراس العودة" وما أشبه، ولكن لا تهتمّ يا عصام فنحن سنحرّر لكم الوطن السليب ونعيدكم إليه رغم أنوفكم، سنحرمكم من الثروات الفاحشة التي تجمعونها وأنتم تتظاهرون بأنكم لاجئون مساكين"(2). وجاء هذا الكلام في سياق الرمز والدلالة ومحاولة الإضاءة على الظروف المحيطة بخسارة الأرض عبر شخصيّات الرواية التي تلتقي وتتصارع بخط بارز يؤرّخ للوعي وسط التداخل بين الزمان والمكان، واللحظات المختلفة بسرد نثريّ بعيد عن نشرات الأخبار والخطب ووصف الأحداث التي تؤكّد بأن الفلسطينيّين يتمسّكون بأرضهم ولا يتنازلون عنها ونصفهم لم يخرج منها حين وقوع النكبة، ونصفهم في الشتات يكافح من أجل العودة إلى الأرض وزراعتها وإنتاج المحاصيل نفسها التي كان يزرعها الأجداد من زيتون وفواكه وقمح وشعير وخضار، بخاصة في الريف الفلسطينيّ الأكثر حفاظاً على الأرض والهويّة بحماسة وجدّيّة مطلقة. 

شرفني الصديق العزيز الأديب حسن ميري بكتابة مقدمة لمنجزه الأدبي "عائد من الظل"، الذي يمكن تصنيفه ضمن جنس السيرة الذاتية.
يُعرف فيليب لوجون السيرة الذاتية تحديداً في كتابه الشهير "الميثاق السيرذاتي" بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية وتاريخ شخصيته بصفة خاصة" [فيليب لوجون، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم: عمر حلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/بيروت، الطبعة الأولى، 1994، ص 22]
وقد اشترط لوجون أن تكون السيرة الذاتية نثرية، وأن يكون الحكي استرجاعياً مرتكزاً على أحداثٍ انطلاقاً من نقطة في الزمن الحاضر، وأن يكون محتوى السرد مؤسساً على الحياة الشخصية والفردية للكاتب وتطور شخصيته، مع وجود تطابق تام بين المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية في النص.
وقد أضاف لوجون لكل هذا مفهوماً مركزياً يُعرف بـ "الميثاق الأوتوبيوغرافي" (Le pacte autobiographique)؛ وهو اتفاق ضمني أو صريح بين الكاتب والقارئ، يتعهد فيه المؤلف بتقديم "الحقيقة"، ويحدد طريقة قراءة النص باعتباره مرجعاً حقيقياً وليس تخييلاً أدبياً [المرجع نفسه، ص 26].
لكن هذا لم يمنع نقاد ما بعد الحداثة، كدريدا وبارت، من انتقاد براديغم لوجون لعدة اعتبارات؛ لعل أبرزها استحالة الصدق في كتابة السيرة الذاتية؛ لأن الطبيعة البشرية لا تتلاءم مع الذات الثابتة، فالأنا التي تكتب في الحاضر ليست بأي حال هي الأنا التي عاشت الأحداث في الماضي. والذاكرة البشرية لا يمكن أن تكون آلة تسجيل؛ لأن المؤلف -ورغم توفر نية الصدق لديه- لا يستطيع أن يمنع نفسه من تجميل صورته وحذف ما يخدش جماليتها. وهذا الحذف يأتي لاشعورياً عن طريق ممارسة رقابة ذاتية، لهذا فنحن في آخر الأمر نجد أنفسنا أمام "تخييل ذاتي" مبنيّ على تحويل الأحداث الواقعية إلى ألفاظ، وسبكها في سياق صور بلاغية توظف المجازات، والتشبيهات، والاستعارات بما يخدم بناء النص الأدبي، وبالتالي نجد أنفسنا أمام عمل متخيَّل يتغذى على الواقع.

"لقد أقبلت عليها كما تُقبل البطة على الماء، ولم تنقطع قط دهشتي من أنني أصبحت كاتبا."
سومرست موم
لقيت الرواية الأولى للأديب والمسرحي البريطاني سومرست موم (ليزا فتاة لامبث)، نجاحا كبيرا دفعه للتخلي عن مهنة الطب والتفرغ للكتابة. فوجئ الناس بإزميل ينحت الطبيعة البشرية بدقة هائلة؛ ففي الرواية يقدم موم للقارئ شخصية فتاة مفعمة بالطموح والحياة، ورافضة لبيئة الحرمان التي كانت سمة أحياء لندن الفقيرة آنذاك. غير أن الرغبة في تعويض الإحساس بفقدان الأب ستدفع فاتنة الحي إلى التعلق برجل متزوج يكبرها سنا، لتنتهي الأحداث بوفاة ليزا، بينما الأم الجشعة تعدّ ببرود نقود التأمين.
تفرّغ سومرست موم للكتابة التي قال بأنه بدأها كأمر طبيعي مألوف لا انفكاك عنه، تماما كالبطة التي لا انفكاك لها عن الماء. وفي سيرته التي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان (عصارة الأيام)، لم يكتف موم بسرد تجربته الحياتية والصعاب التي اعترضت مسيرته الأدبية، وإنما برع كذلك في عرض نقائصه ككاتب، وملاحظاته على أساليب الكتابة لدى أسلافه ومعاصريه على حد السواء.
إن الإنسان العادي هو الذي على الكاتب أن يعالجه، فهو يحكي ذاته ولا يجد سببا لاصطناع شخصية أخرى. لذا كانت ذخيرة موم دوما هي عامة الناس، أولئك المغمورون الذين يظهرون على حقيقتهم، ولا يخفون تصرفاتهم الشاذة لأنه لم يخطر لهم أنها كذلك. فالعادي إذن، يقول موم، هو ميدان الكاتب الأخصب؛ يُمدّه بمادة لا تنضب بسبب ما فيه من جدة وتفرد وتنوع لا حد له.

تبدأ «القرداش» بمشهد لا يمنح قارئه وقتًا ليستقر. سالمة، وهي على سرير الاحتضار، ترى فرسانًا ببرانس بيض يطوفون حول مصباح غرفتها. يضطرب الضوء، فيتلاشى الفرسان، ويقترب السقف منها كأنه يوشك أن يسقط. تغمض عينيها، ثم تفتحهما في حذر، فلا تجد إلا الورل المحنّط واقفًا عند الباب، بعينين زجاجيتين لا ترمشان.
إن الطريقة التي انتقل بها السرد من عالم الهذيان إلى الواقع هي ما شدّ انتباهي منذ الصفحة الأولى. كان الانتقال هادئًا، وكأنه نسيج خفي؛ فسالمة تنتقل من الرؤيا إلى الواقع دون أن يعلن الراوي إفاقتها، من غير أن يظهر حدّ فاصل، ومع ذلك تحتفظ الرواية بتوازنها.
هل الهذيان فعلًا هذيان، أم أنه وعي لم ينضبط لترتيب العالم الذي حوله، وعي يقترح طرقًا أخرى لترتيبه؟ كانت سالمة تحتفظ بالمعنى كاملًا وهي تهذي، فقط تعيد صياغته. تتجاور الأزمنة عندها بدل أن تنسلخ من بعضها. ويبدو أن تدفق الذكريات محكوم بمثير خارجي، وهو الألم.
لقد تغيّر السؤال الذي دخلت به إلى الرواية فجأة، من سؤال يبحث عن تأويل، إلى سؤال يبحث عن "كيف". كيف استطاع وليد بن أحمد أن يكتب رواية تنطلق من هذيان، أو لنقل من وعي مضطرب، وتحافظ مع ذلك على اتساقها؟ كيف كانت هندسة هذا النص، وكيف شُيّدت عمارته؟ كيف منح الهذيان منطقة واسعة وخصبة في السرد، وكيف أعطى الأشياء أصواتًا، والزمن نظامًا يخصّه؟ وكل هذا يبدو كسمفونية بديعة.

كيف تتكلم الأشياء؟
يبدو أن وليد بن أحمد يهيّئ نسيج السرد، ويضع عقدة بعد عقدة أثناء الحياكة. فالأشياء التي كانت حاضرة تراقب وتترقّب، بدأت تخرج للواجهة حين منحها السرد لسانًا. فالورل، والقرداش، والمغزل، والخلّالة، والسدّاية، هي في الحقيقة أدوات لا شخصيات، ولكن الكاتب يقودنا خطوة بعد خطوة لقبول أنها تتكلم. والسرّ في ذلك أن القارئ توغّل في أوتوستراد الرواية، وبدأ يتعوّد على قوانينها ولوائحها. فحين ينتقل السرد بين الهذيان واليقظة دون إعلان، والقارئ يلتقط العالمين، يصبح مهيّأً لقبول انتقال الوعي من الإنسان إلى أدواته دون احتجاج.

شهدت الدراساتُ النقدية في العقود الأخيرة تحولات عميقة نقلت الاهتمامَ مِن النَّص الأدبي بوصفه بِنية جَمالية مُغلَقة إلى اعتباره ظاهرة ثقافية واجتماعية تتشابك فيها أنظمة السُّلطة والمعرفة والتمثيل. وفي خِضَمِّ هذه التحولات برز النقدُ الثقافي بوصفه مشروعًا معرفيًّا يسعى إلى كشف الأنساقِ المُضْمَرَة التي تتحكم في إنتاج الخِطاب، وتَوجيهِ الوعي الجمعي.
وقدْ أسهمَ عدد مِن النُّقَّاد والمفكرين في ترسيخ هذا الاتجاه، مِن أبرزهم الناقد السعودي عبد الله الغذامي ( وُلد 1946)، والناقد الفرنسي رولان بارت ( 1915_1980 )، اللذان التقيا في الرغبة في تجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، وافترقا في المنطلقات الفكرية والسياقات الثقافية التي شكَّلتْ رؤيتهما.
يُعَدُّ الغذامي من أبرز الأسماء العربية التي دافعتْ عن النقد الثقافي، وَسَعَتْ إلى تأصيله في البيئة العربية. وقدْ رأى أنَّ النقد الأدبي التقليدي ظَلَّ أسيرًا للجَماليات الشكلية والبلاغية، مُنشغلًا بسطح النَّص، ومُهْمِلًا ما يختبئ خَلْفَه مِن أنساق ثقافية تُمارس تأثيرَها العميق في المجتمع. ومِن هُنا دعا إلى الانتقال مِن نقد النَّص إلى نقد الثقافة، ومِن الاحتفاء بالمُنْجَز الجَمالي إلى مُساءلة القِيَم التي يُنتجها الخِطاب، ويعيد ترسيخَها.
ينطلق الغذامي من فكرة أساسيَّة مُفادها أن الثقافة ليست بريئة، وأن الخِطابات المختلفة تَحمل في طَيَّاتها أنساقًا خَفِيَّة تتسلَّل إلى الوعي، وتؤثِّر في السلوكِ الإنساني. ولذلك فإنَّ مُهِمَّة الناقد لا تقتصر على تحليل الصور والأساليب، بلْ تتجاوز ذلك إلى الكشف عن القوى الثقافية الكامنة خَلْفَ النصوص.
ركَّز الغذامي بصورة خاصَّة على ما سَمَّاه " النسق الثقافي"، وهو البِنية العميقة التي تتحكَّم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيلَ العلاقات الاجتماعية. ومِن خِلال هذا التصوُّر سعى إلى تفكيك الكثير من الظواهر الثقافية العربية، مُتناولًا قضايا السُّلطة، والذكورية، والمركزية الثقافية، وصناعة الرموز الاجتماعية. فالنص عِنده لَيس مُجرَّد عمل فَنِّي، بلْ هو وثيقة ثقافية تكشف طبيعةَ المجتمع الذي أنتجه، وتفضح ما يُحاول إخفاءَه مِن قِيَم وتحيُّزات ومُمارَسات.

حين يتحوَّل الشعرُ إلى سِيرة جُرح مفتوح، وحين تصبح الكلماتُ بديلًا عن الصرخة التي لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم. فالألمُ الإنساني يمتلك لغةً واحدة، والوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ بين الشرق والغرب، وبين المتوسط والثلوجِ الروسية.
ومِن هذا المنطلق يمكن أن نتأمل المأساة الجماعية التي تَجْمع بين الشاعرة اللبنانية ماجدة داغر والشاعرة الروسية مارينا تسفيتايفا (1892_ 1941 انتحار )، مأساة تتجاوز حدودَ التجربة الفردية لتصبح صورةً مُكثَّفة لمعاناة الإنسان في مُواجهة القَدَرِ والتاريخِ والوَحدة.
جاءتْ تجربة ماجدة داغر الشعرية من قلب لبنان الذي عرف الحروبَ والانقسامات والانهيارات والانتظارات الطويلة. في شِعرها تبدو الذات وكأنَّها تَحمل ذاكرةً جَماعية مثقلة بالخسارات. لَيست القصيدةُ عِندها ترفًا جَماليًّا أو تمرينًا لغويًّا، بلْ مُحاولة مستمرة لإنقاذ ما تبقى مِن الإنسانِ وسط الخراب.
تنبع قصائدُها من منطقة تتجاور في الحساسية الأنثوية معَ الألمِ الوطني، فتتحوَّل التجربة الخاصَّة إلى مِرآة لجماعة كاملة فقدت الأمانَ، وفقدت القُدرةَ على تفسير ما يحدث حَولها. في عالَم ماجدة داغر لا يظهر الحُزنُ بوصفه حالة عابرة، بلْ كَقَدَرٍ يُرافق الإنسانَ في رحلته الوجودية. لذلك تبدو مفرداتها مُحاطة بظلال الغياب والانتظار والقلق والأسئلة المفتوحة. إنَّها تكتب من منطقة الجُرح، لكنَّها لا تستسلم له، بلْ تُحاول أن تمنحه مَعنى. ومِن هُنا تأتي قوةُ تجربتها، إذْ تجعل القارئَ يشعر بأنَّ آلامه الشخصية تجد صدى لها في النَّص، وكأنَّ الشاعرة تتحدَّث باسم جماعة واسعة من المقهورين والمُهمَّشين والمنكسرين.

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.
في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري ( 1899_ 1997 ) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين ( 1799_ 1837 ). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.
كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.
يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.
برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.
استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.