"أنا لا أعير الكتب أبدا. الكتب المعارة لا تُعاد. الكتب الوحيدة في مكتبتي هي كتب أعيرت لي واحتفظت بها!"
قارئ شغوف من القرن التاسع عشر
في مسرحية هاملت لشكسبير، يوصي بولونيوس ابنه: "لا تُعر ولا تستعر، لأن الإعارة غالبا ما تسبب خسارة في المال والأصدقاء!". والأفدح لأي شغوف بالكتب أن يتحمل مخاطرة إعارة كتاب، إذ يتعين عليه قبول احتمال وجوده في مكان آخر، دون أن يتمكن من رؤيته مجددا.
يتودد إليك صديق أو زائر كي تعيره أحد كتبك ليقرأه، أو ليستعين به في إعداد بحث أو ما شابه. ثم لا يلبث أن "يفقع" مرَارَتك قبل أن يعيده، طبعا هذا إن كان من أهل الحرص والفضل، أو يختفي بلا رجعة هو والكتاب، فيحكم عليك بأوقات حزن، تتجدد كلما احتجت له أو لاحَ عنوانه بخاطرك!
هذه الظاهرة العالمية التي امتدت عبر قرون، لا تزال حتى اليوم تؤثر على شريحة واسعة من القراء، ويتجدد معها كل مرة سؤال مؤرق: كيف نشارك متعة القراءة مع الآخرين، دون تحمل مرارة ضياع الكتب وفقدانها؟
تتيح إعارة الكتب واستعارتها فرصة متجددة لاكتشاف عناوين وإصدارات دون ضغط شرائها. وهي كذلك مناسبة لتقوية الروابط وتعميق الصداقات. إننا حين نعير كتابا، لا نشارك الآخرين شيئا ماديا فحسب، بل ننقل شعورا وتجربة، أي جزءا حقيقيا من أنفسنا. إننا نساهم دون شك في نشر الثقافة والسعادة، لكن الأمر يتطلب قدرا من الحكمة قبل أن تؤدي الأريحية الزائدة إلى رفض قاطع!
تحقق الإعارة بيئة من التفاعل الحيوي بين المعير والمستعير، إذ يصبح لكل كتاب ذاكرة لا تشمل فقط انطباعاتك كقارئ، وإنما تمتد أيضا لتحتضن الأماكن التي قرأتها فيه، والأشخاص الذين أعرتهم إياه، والحوارات التي دارت حوله. إلا أنها قد تصبح مجازفة حين تتحول إلى تعلق خفي، يُصطلح عليه في علم النفس المعرفي ب "تأثير التملك". يقرأ المستعير الكتاب ثم يتعلق به، لينسى تدريجيا أنه ليس نسخته الخاصة.