- 1- أحلام المثقّف وكوابيسه
شهدت الساحة الثقافية في تونس تحوّلا هائلا منذ اندلاع الثورة، تجلّى ذلك في تعدّد الخطابات واختلاف زوايا النظر، وإن لم يرتقِ ذلك إلى مستوى الانتظارات الحقيقية، حيث لم يواكب الحدث فعلٌ ثقافي مؤثّر في مستوى الحراك العام الذي شهده بلدنا. فما يلوح جليّا ارتهان المثقّف إلى لوثة السياسة الطاغية على مخياله وهو عائق فعلي، جراء حساسية اليومي الذي يعيشه التونسي. حيث يعجز المثقف عن التسامي بتأملاته، وإبداعه، وإنتاجه المعرفي عن مؤثرات السياسة المباشرة. ناهيك عن تجذّر إرث سابق، مؤسساتي وسلوكي، ما فتئ يحول دون تشكيل خطاب ثقافي نهضوي: يتعالى من جهة عن الشّللية المقيتة السائدة في أوساط المثقّفين، ويتحرر من أوهام النظر المهجوسة بالتصور الغربي، ومن ثمَّ بالخلاص المصنَّع في الخارج، ومن جهة أخرى يكفّ عن التكسّب بالعمل الثقافي من هذ الحزب أو ذاك. الأمر الذي حوّل المثقف إلى داعية إيديولوجي منساق ضمن موجة انجذاب عام، وهو مناخ صعب يحول دون خلق حراك ثقافي جماعي يسند التحولات المجتمعية والسياسية لبلدنا. إضافة إلى ذلك تنتشر عوائد مقيتة بين شرائح العاملين في قطاعيْ الثقافة والمعرفة، على غرار "التقاعد الفعلي المبكّر" للأكاديميين والعاملين في الحقل الثقافي، وانتهائهم عن ترشيد الحراك المجتمعي واستبداله بانخراط في جوقة الأدْلجة المجانية للناس، والتحريض المجاني على هذا الطرف أو ذاك مع انحدار بالخطاب الثقافي بدل التسامي به.