يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذَاقَت نَفسي وَجَعَ الفَجائِعِ ..من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
كان يجلس على كرسي بلاستيكي أمام محل بقال الحي ، تمر الفتاة الصغيرة أمامه لتشتري بعض الأغراض ، يتأملها محدقا وعقله مشغول تتقاذفه الأفكار كيف تشاء ، تساءل كيف أمكن لهذه الصبية وهذا الوجه الطفولي أن يثيرا انتباهه بهذا الشكل الملح . التفت إلى البقال يسأله عن هذه الطفلة التي خرجت للتو من المحل بدعوى أنه اكتشف في ملامحها ما جعله يعود إلى الوراء لسنوات مضت ، ليسترجع بعض الصور التي خزنتها ذاكرته ، ولم تصل إليها آثار التعرية وعوامل النسيان . أجابه البقال بأنها ابنة صديقه القديم السيد جابر . لحظتها تراكمت في ذهن صاحبنا صور وذكريات تلاحقت بشكل جنوني لم يستطع أن يوقفها . عادت به الصور إلى سنوات مضت كان يحمل فيها الطفلة وهي صغيرة ، ويضعها في حجره . كانت كلما رأته تناديه : عمي . قال للبقال : أتعلم أن هذه الطفلة كانت صغيرة جدا حين كنت أشتري لها قطع الحلوى . أجابه البقال : يا أخي لقد مرت سنوات طوال ، فإذا كان ما تحدثت عنه دقيقا فإن الأمر يعود على أقل تقدير لأكثر من عشر سنوات .
ك..ك. كتب
أحس عمر بالفراغ والبرد ففتح دفتي كتاب كبير ملقى على الطاولة واندس فيه.
لم يكن راضياً. ها هي الساعة تقترب من الثامنة، ويكاد اليوم ينتهي، ولم يتجمَّع في علبة الإيراد ما يجلب الرضا. مرَّت عدة أيام على نفس الحال..في الصباح، وهو بطريقه للعمل، يفشل في التقاط أي راكب؛ ليس بسبب ندرة الركَّاب، ولكن لأن اتجاهاتهم تتعارض مع خط سيره من بيته، في (الورديان)، إلي (الحقَّانية)، في ميدان المنشية، حيث يعمل في وظيفة كتابية، تحتِّم عليه التوقيع بقائمة الحضور، قبل الثامنة والنصف؛ وذلك يجعله يتهرَّب من كل راكب يطلب نقله إلى مكان بعيد، ليتوفَّر له الوقت، للبحث عن مكان يوقف فيه السيارة، بعيداً عن احتمال أن تقع عليها عين زميل، فتفشل محاولات الكتمان، وينتشر الأمر في المحكمة كلها. يأتي خوفه من المساءلة القانونية بالمرتبة الثانية، بعد تطيُّره من نظرات الحسد والحقد وألسنة السوء. لم يروا مكابدة السنوات الطوال، منذ خرج من الجيش، بعد الحرب، يحمل في يده رخصة القيادة (درجة أولى)، ويعمل عند أصحاب السيارات، الذين يشتركون – جميعهم – في اتهامهم الدائم للسائقين بعدم الأمانة في توريد (الغلَّة)؛ ولن يصدقوا أنه اشتراها بالتقسيط، ولا يمكن أن يتصوروا القلق المميت الذي يقلب كيانه، وأيام الشهر تزحف إلى نهايتها، دون أن تقترب الجنيهات المقتصدَة من الرقم (300)، قيمة القسط الشهري.
أي شخصية فذة تلك التي هزّ حُراسها (البودي غارد) بالرؤوس الحليقة أرجاء المطعم الهاديء في بهو الفندق( الكلاس) ، وكأنه هجوم مسلحٍ أو سطوٍ مفاجيء .. أقام المكان ولم يقعده.. ؟؟
أتجول باحثا بين دروب أسئلة نصوص المدينة ، المغسولة الوجه ، بشيء من ماء الزهر المفقود و طلعة الملح القادم . إليك تشدني الفراشات البيضاء ، و المشاكسة في فراغات المعنى المحتمل و العميق عموديا أقرأها زائرا و مسائلا ..و رافضا لصورة جدل ، يدخن سجارة في مقهى عقيم . أخترق تفاصيل الحروف المرفوعة الرأس ، و الأخرى المنقسمة الأطراف . يصيبني شيب اللفظ حينا بحجارة الدلالة المبتورة العين .فأقول لابأس ..، فلتكن بداية هذه السفرة ، عثرة قدم تشعل الضوء في طريقي إلى الأمام .
منذ زمان لم أحكِ او أكتبْ شيئاً ذا بالٍ عن هذا اللامع في عتمةٍ وسط الضلوع كشمعةٍ بِعِدَّةِ ذُبالات .