ألآن بدأت ليلة الزفاف . صار فواز عريسا ، قد لا يعرفه من يراه بشعره المصفف النظيف اللامع والمدهون بالكريم ، وبذلة الفرح السوداء التي اشتراها من البالة ، رغم أنها مستعملة لكنها تبدو جديدة وقد غيرت شكله وقلبته رأسا على عقب ، وإن كان في جيبها الجانبي ثقب صغير لا يظهر لأحد ، ثقب ابتلع قطعة نقود صغيرة إلى جوف البذلة ويئس فواز من التقاطه بعد محاولات عديدة ، فأحال أمره إلى وقت آخر ريثما ينتهي من مراسيم الفرح وطقوس ليلة الدخلة ، هذه الليلة التي انتظرها من سنين طوال ، وكاد قلبه أن يتوّرم من أجلها .. فهو متشوق إلى درجة أنه فكر بصرف المدعوين وتقديم عقارب الساعة ، كي يختصر الساعات ويصل بسرعة إلى ليلة عمره . ما أن أصبح فواز وعروسه سهير داخل بيت الزوجية الضيق كعلبة السجائر ، حتى حملها بين ذراعية القويين والرفيعين كساقي خروف ، وبقدمه اليمنى بدأ خطاه متجها بها إلى غرفة النوم النظيفة والمرتبة بعناية ، مبتسما ، وقد لاحت في عينيه نظرات لها بريق أخاذ .. بريق به دفقات من خفايا قلبه ووراءه رعشة حياة ، وهي نظرات تقول كلاما فصيحا بلا أي كلمات ، وقد فهمتها سهير وسبرت أغوارها .. من المؤكد أنها فهمتها .. فهي من الراسخات في معاني الصمت ، بل ليس بمقدورها ألا تفهمها ، رغم ما غشيها من توتر ، وما حل بها من حياء .. فألذ أنواع الكلام إلى قلبها وأفصحه إلى عقلها هو ذلك الذي لا يقال .. بل هي على يقين أن للقلوب السنة لا تسمعها الآذان .
هناك جثة..
وعاد صاحبنا بذاكرته إلى الخلف ، إلى سنوات طوال من عمره المديد ، إلى شهر رمضان ما قبل ثلاث وعشرين سنة أو يزيد عن ذلك بقليل . ولقد جاهد كثيرا من أجل وضع تلك الفترة في طيّ النسيان ، أو إبعاده عن ذاكرته إبعادا كاملا ، إلا أن ذلك لم يكن في المستطاع . فما كل ما يهواه المرء بنائله . وما كان يريد أن يعود إلى الماضي ، لأن تلك الفترة بالذات كانت تطوي ذكريات مؤلمة جدا . واستعادة هذه الذكريات كانت تعني بالنسبة له فتح جرح قديم وقد أندمل إلى درجة كبيرة . فلا فائدة البتّة في فتح مثل هذا الجرح ، وقد مرّت عليه هذه السنوات ، ولكنه فعل ذلك ، نعم ، فعل ذلك لغرض في نفسه أخفاه عن غيره إخفاء مقصودا
وهو يمسك بمعصمي بقوة ويسحبني وراءه مثل لاشيء, كان الجيران ينظرون إلي في إشفاق. كنت أنظر إليهم من وراء الدموع وأنا أطير في الهواء. هو يلعن دين أمي وربها وربي أيضا.
"
أخيرا استطعت أن أنفخ بطنها. لكني لم أنجح في هذه المهمة إلا بعدما صارت رجولتي في الميزان. هذا ما كنت أقرأه باستمرار في عيون جاراتنا (رحمة) و(زهرة) وأخريات. كـنّ يجهلن بأنني خريج معهد الترجمة، وأنني قادر على نقل وشوشاتهن إلى سبع لغات على الأقل. يكفي أن تصدر عنهن غمزة أو إشارة لأفهم منها أنهن يرمينني بالعُـنّة، ومعناها وِفق واحدة من تلك اللغات التي أتقنها أنني "مْـثقف"!
بعد شتاء قارس البرد سقطت فيه ثلوج كثيفة غطت الجبال والوديان والسهول والهضاب بلباس أبيض ناصع البياض قدم صباح نهار يوم ربيعي جميل . أشرفت الشمس في هذا اليوم على غابة سبل من فوق الجبال الشامخة العالية ، وأرسلت أشعتها الذهبية البراقة لتزيل البرد وبقايا الثلوج ، وتنشر الدفء في أحشاء كل حي يعيش في هذه الغابة الجميلة من مخلوقات الله التي لا تعد ولا تحصى . ونهضت هذه المخلوقات لتقابل هذا النهار الجميل ، وتستمتع بكل بهجة وسرور بنعم الله الكثيرة ما شاء الله لها أن تستمتع بذلك .
إنّ السّواد المُطْبِقْ على ساعاتنا يُطمئننا بضرورة انعكاسٍ واضحٍ للقمرْ ....