(هل كان غاندي ابن جنية, وبيكاسو مقدم ضريح في ضيافةالجبل؟وأنا, هل ما زلت أنا أم أني مجرد ظل لذاك الشاب
فارع الطول الذي ملكته امرأة وقدمت له وجها آخر للحياةوللتاريخ قبل أن تغيبها الضرورة؟
وإذ أحكي الآن, أحكي التاريخ أو الخرافة, العقل أوالجنون؟ وهل هناك فرق؟)
كان هناك إرث تتناهشه الأطماع, وفتاة عبيطة أشيرَ بها عليّ:
- هكذا نجمع المال إلى المال والأرض إلى الأرض
- وماذا عن جمع القلب بالقلب؟
وحل المساء
فاتكأت على جذع شجرة الأوكاليبتوس العجوز,أحشو بحشيش "كتامي" رفيع سيجارتي الثالثة, وأسقي فسحة الذهن بهوامات شائكة مثل إبر تضحك في وجه السماء.
كان للبدر وجه صبية..
من عاداتي أنني أفضّل السير حاسر الرأس، كاشفاً عن صدري حين تعصف الرياح أو يهطل المطر أو ينهمر الثلج متحدياً صفعة الريح أو لسع الثلج والمطر.
سئم أحد الأنهار مجراه في الحقول والقرى، ورغب في مغادرته والوصول إلى مدينة ليست بالبعيدة والتسكع في شوارع سمع الكثير عن مبانيها الشاهقة المتفوقة على الجبال، ولكنه كان كسولاً، فبقيت رغبته مجرد حلم في الليل وأمنية في النهار، وتنبّه يوماً لأطفال يلعبون على ضفته ضاحكين مطلقين الصيحات المرحة، وراقبهم بفضول، وتاق إلى مشاركتهم في اللعب، ووجد نفسه يتخلى عن كسله ويهجر مجراه مندفعاً نحو الأطفال محاولاً اللعب معهم، فبوغت بالأطفال يصرخون فزعين، ولاذ بعضهم بالهرب مبتعداً عنه بأقصى سرعة، وطفا بعضهم الآخر على سطحه جثثاً هامدة خنقها ماؤه ولم تعد قادرة على اللعب بمرح، فاستغرب النهر ما حدث، وفقد رغبته في اللعب، وانسحب من الضفة عائداً إلى مجراه مقسماً ألا يغادره.
السرير موضب بعناية فائقة.
كان شادي الحلو واقفاً في الشارع المظلم الخاوي متردداً بين الذهاب إلى بيت عشيقته أو بيت أمه أو بيته، فطعنه فجأة خنجر طعنة واحدة عنيفة في الجانب الأيسر من صدره، فصرخ متوجعاً، وتمكن من رؤية وجه من طعنه، وكان وجهاً لم يره من قبل، وارتطم شادي بالأرض مرتمياً على ظهره، وتبللت أصابع يديه بدمائه المتدفقة بغزارة من صدره، فحاول الاستغاثة، ولكن استغاثته لم تكن غير أنين متوجع خافت، واقترب منه قط صغير، أبيض اللون، وشرع في لعق الدماء النازفة على الرصيف، فلم يحاول شادي إبعاده، وأغمض عينيه، ودخل بيت عشيقته التي استقبلته بوجه مكفهر متسائلة : لماذا تأخرت؟ أين كنت؟ هل كنت تقامر كعادتك أم كنت عند عشيقة جديدة؟
جلس مطأطأ الرأس ، ذراعاه ممتدتان ، وأصابعه متشابكة حول ركبيته ، وجبهته ملتصقة من حين إلى حين بفخذيه . جسمه يرتعش ، كان قد دبت فيه حرارة غريبة ، أذناه كانتا تلتقطان الكلمات بانتباه وتركيز .
ينتظرني على قارعة الطريق، كعادته. في يسراه يحمل سيجارته، كعادته. يتمسك بطرفها إلى أن تحرقه، فيرمي بها إلى الشارع، متحسرا عليها.. أطراف أصابعه اصطبغت بلون أصفر.. يطول انتظاره لي. يشعر برغبة في إشعال سيجارة اخرى. يخرج علبته من جيبه، يعد سجائره، ثم يعيدها إلى مكانها كاملة العدد..
قصتي هاته