أنفاس بدأ التصوف الإسلامي حركة زهدية ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا سعياً للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي وصحابته في الزهد، ثم تطور وأصبح نظاماً له اتجاهات عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد: الإكثار من الصوم والتقشف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة والتجرد عن ضروراتها. إلا أن الزهد في الإسلام لا يعني هجر الدنيا وترك العمل، فالإسلام دين وسط واعتدال لا يدعو للرهبانية والتطرف([1]).
والتصوف نزوع ذاتي تأملي يعتمد على خيال الفرد وتجربته وذوقه ويهتم على الخصوص بالنفس وصفاتها. ظهر المصطلح عند المسلمين في القرن الثاني للهجرة، أما قبل ذلك فكان الصوفي يسمى زاهداً، لأن التصوف ظهر في مرحلة من مراحل تطور الزهد.
إن الصوفية الذين سلكوا طريق التصوف كانوا ملمين بالعلوم الدينية مما يمكنهم من الرد على انتقادات خصومهم، وحتى لا يتعرضوا للانحراف إذا ما تصوفوا مع جهل([2]). ويرتبط التصوف بالمجاهدات والرياضات النفسية، ويصب جل اهتمامه على الروح. والطريقة الصوفية تنقسم إلى مواقف هي المقامات والأحوال. المقام والحال اصطلاحان يستخدمها الصوفي للدلالة على مكانته في الطريقة الصوفية وما يأتيه من رحمة الإله.
المقام: هو مقام الإنسان فيما يقام فيه من عبادات. وأما الحال: فهي ما يتعرض لـه القلب عفوياً من سمات الرحمة الإلهية. والأحوال مواهب ظرفية وإذا دامت تحولت إلى مقامات مكتسبة. من الأحوال: المراقبة، والقرب، والمحبة، والخوف، والرجاء، والشوق، والأنس، والطمأنينة، والمشاهدة، واليقين. ومن المقامات: التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والرضا، والتوكل([3]).
ارتبط التصوف بالفلسفة، فاهتم الصوفية بعلوم المكاشفة ومعرفة الله، وكان ذو النون المصري (245 هـ ـ 859م) أول من أدخل العرفانية في التصوف الإسلامي. وجاء أبو زيد البسطامي (ت 270هـ ـ 875م) بنظرية الفناء، أي فناء الإنسان عن نفسه لا شعورياً بذاته مع الله. ثم تطورت هذه النظرية إلى الحلول والاتحاد مع الله على يد الحسن بن المنصور الحلاج (ت 309 هـ ـ 922م) أي حلول الذات الإلهية في المخلوقات، واتحاد طبيعة الإنسان في الطبيعة الإلهية حتى تصبح حقيقة واحدة.
ومن الصوفية من زعم أنه عرج إلى السماء كما عرج الرسول e، ومن أشهرهم أبو يزيد البسطامي الصوفي المعروف بشطحاته، الذي عرج بواسطة سلم روحي([4]). والشطح هو كل ما خرج عن المألوف والقوانين الفقهية، لذا يعتبر هذا السلوك من البدع وهو منبوذ عند الفقهاء.
اختلف الصوفيون المسلمون حول علاقة الإله بالكون، فريق قال بوحدانية الله وأنه خالق الكون. وفريق آخر يرى أن العالم لم يخلق من العدم بل وجد من البداية، والكون هو صفات الذات الإلهية أي مظهر الله الخارجي، وتسمى هذه النظرية بوحدة الوجود. "وبناء على هذا المذهب تتجلى الألوهية في البشر، ويعتبر محمد الإنسان الكامل"([5]).

أنفاسالتراث الذاتي هو ما يصل إلى شعبٍ ما ممّا خلَّفه القدماء وتتوارثه الأجيال، ويحدث لتيارات عامّة واتجاهات ومدارس فكرية ويؤثّر في سلوك الناس. وهي مسؤولية تاريخيّة تتحمّلها الأجيال فتواصل تاريخها أو تتركها فتنقطع جذورها فتذوب في ثقافات مغايرة، والفعل اللاتيني Tradere يفيد كِلاالمعنيين: يحمل أو يخون.
(1) الأصالة والخصوصية:
وأَهمُّ ما يميز التراثُ الذاتي الأَصالةَ والخصوصية. فالأصالة تعني الأنا في مقابل الآخر، والمألوف ضد الغريب/ والقريب في مواجهة البعيد، والمحليّ كمانع للمستورد. تعني الأصالة الذاتيَّ في مقابل العرضيّ/ والطبيعي في مواجهة المصطنع، و"الجوّاني" ضد "البراني". أمّا الخصوصية فتعني نوعية التراث وسِمَاته المميزة ونموذجه الأوحد وقانونه الخاص ليس في مقابل الشمول والعمومية ولكن في مقابل فقدان النوعية والذوبان في خصوصية أخرى تَدَّعي أنها الخصوصية الشاملة. وهو التقابل الذي وضعه كانط في وصفه للإرادة بين الذاتي والغيري.
(I) جذور التراث:
وللتراث جذور في وجدان الشعب. فهو تأكيد للأنا ضد الآخر وإثبات للذات في مقابل الغير. ولمَّا كان التراث مُعاشَاً في وجدان الناس فإن جذوره تعطيهم عمقا‍ً تاريخياً قد يصل أحياناً إلى بدء الخليقة ونهايتها، وقد يتجاوزها إلى ما قبل العالم وما بعده. يمتد التراث في وجدان الشعب ويعطيه الآتي:
- 1   الأصالة ضد التذويب والتميّع والاغتراب خاصة إذا ما تمّت محاصرة الذات بالآخر كما حَدَثَ في إيران قبل الثورة.
- 2  العُمْق التاريخي ضد نقل الحضارات واستيرادها، وملء الشعور القومي بحيث لا يكون فارغاً تصبُّ فيه حضارات الغير، والرَدُّ المستمر على الغزو الثقافي الخارجي باعتبارها (حضارات الغير) جسماً غريباً على التراث القومي كما هو الحال في السلفية.
- 3 كما تمتدُّ جذور التراث في الماضي فإنها أيضاً تورق في الحاضر، فما الحاضر إِلاَّ تراكم للماضي وظهور له. ومن ثَمّ فلا حلّ لمشاكل الحاضر حلاً جذرياً إِلا‍َّ بالرجوع إلى جذورها في الماضي، ولا سبيل للقضاء على عقبات التنمية (عدم اشتراك الجماهير مثلاً) إِلاَّ باجتثاث جذورها في التراث.
- 4 دفعات أكثر نحو التقدم في مسيرة الشعوب وإطلاق طاقاتها، وترسيخ مكتسبات الثورات الوطنية مثلاً: الإصلاح الزراعي، الملكية الجماعية للأرض، العمل وَحْده كأساس للقيمة، النضال.. إلخ.
- 5 الاستمرارية التاريخية والتجانس في الزمان ووحدة الشخصية الوطنية وعدم وجود مستويات متجاورة منفصلة في الشعور الوطني كما هو الحال في تركيا (إسلام في العمق وتحديث في السطح) أو في بولندا (كاثوليكية في العمق وماركسية في السطح( .

أنفاستمسك ابن حزم ولا شك بالمنطق الأرسطي لحل بعض المعضلات الموروثة في الثقافة الأندلسية كتمسك أهل الأندلس بالنوازل والفقه المالكي وتزمتهم على المستخرجة… وبالمقابل رفض كل ما هو عقلي كالكلام والمنطق… لهذا قد أخطأ من اعتبر أن ابن حزم صنع بالمنطق ما صنع الغزالي به، فابن حزم يوظف المنطق في العقليات بينما الشريعة فهو يدرك أن خصائصها غير خصائص المنطق.
مقدمة:
أريد في البداية أن أعيد إلى أذهاننا تلك الصورة القاتمة التي رواها ابن أحمد الأشبلي في وصف حالة المنطق بالغرب الإسلامي وهي صورة ولا شك أشبه بتلك التي حكاها ابن حزم وابن طملوس وقد تجلت في كتابات كثير من منتقدي فن المنطق، فليس هناك أبشع من اعتباره زندقة وسفسطة بل وفي كثير من الأحيان كفر وحدث، يحكى ابن أحمد الأشبلي أنه قال: "كان الحفيد أبو بكر بن زهر قد أتى إليه من الطلبة اثنان ليشتغلا عليه بصناعة الطب فترددا إليه، ولازماه مرة وقرآ عليه شيئا من كتب الطب، ثم إنهما أتياه يوما وبيد أحدهما كتاب صغير في المنطق وكان يحضر معهما أبو الحسين المعروف بالمصدوم، وكان غرضهم أن يشتغلوا فيه، فلما نظر ابن زهر إلى ذلك الكتاب قال: ما هذا؟ ثم أخذ ينظر فيه، فلما وجده في علم المنطق رمى به ناحية، ثم نهض إليهم حافيا(…) وهم يتعادون قدامه إلى أن رجع عنهم مسافة بعيدة فبقوا منقطعين عنه أياما لا يجسرون أن يأتوا إليه. ثم إنهم توسلوا إلى من حضروا عنده واعتدوا بأن ذلك الكتاب لم يكن لهم، ولا لهم فيه غرض أصلا، وأنهم إنما رأوه مع حدث في الطريق وهم قاصدون إليه، فهزؤوا لصاحبه وعبثوا به وأخذوا منه الكتاب ففر وبقي معهم ودخلوا إليه، وهم ساهون عنه فتخادع لهم وقبل عذرهم واستمروا في قراءتهم عليه صناعة الطب…"(1).
هذا الوصف الذي وصف به المنطق في الغرب الإسلامي عامة واحد من الأسباب التي دفعت بابن حزم إلى البحث عن أسباب نفور أهل الأندلس من المنطق من جهة وواحد –كذلك- من الأسباب التي دفعت به إلى الاهتمام بهذا الفن من جهة أخرى. فابن حزم صرح بأهمية المنطق والاستفادة منه في شتى العلوم، وقد ذهب إلى أكثر من هذا، فسلب الفهم عن كل من لم يؤت هذا العلم "وليعلم من قرأ كتابنا هذا أن منفعة هذه الكتب ليست في علم واحد فقط بل في كل علم، فمنفعتها في كتاب الله عز وجل وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي الفتيا في الحلال والحرام، والواجب والمباح من أعظم منفعة وجملة ذلك في فهم الأسماء التي نص الله تعالى ورسوله (ص) عليها وما تحتوي عليه من المعاني التي تقع عليها الأحكام على حسب ذلك والألفاظ التي تختلف عباراتها وتتفق معانيها، وليعلم العالمون أن من لم يفهم هذا القدر فقد بعد عن الفهم عن ربه تعالى وعن النبي (ص)، ولم يجز له أن يفتي بين اثنين لجهله بحدود الكلام، وبناء بعضه على بعض، وتقديم المقدمات، وإنتاجها النتائج التي يقوم بها البرهان وتصدق أبدا، ويميزها من المقدمات التي تصدق مرة وتكذب أخرى ولا ينبغي أن يعتبر بها"(2).

أنفاستناول علماء الإسلام موضوع السحر والسحرة من زوايا مختلفة .ويمثل  " الغزالي " قمة التفكير عند علماء المسلمين في الإيمان المطلق بالسحر والاعتقاد به على الرغم من أنه علم مذموم , ويرى أن هناك في الكون أموراً غريبة من قبيل السحر وأن هناك في ( الأعداد ) خواص عجيبة مجرية , كتلك الخواص التي تستعمل في تجربة معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق , ويشير الى ذلك المربع الذي يعرف بمربع ( بدوح ) وهو شكل فيه تسعة بيوت – أو خانات – يرقم فيها أرقام مخصوصة بحيث يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر , سواء قرأته بالطول أو العرض أو على التأريب . وقد تناول الغزالي هذا الموضوع وهويتحدث عن ( سر النبوة ) في كتابه ( المنقذ من الضلال ) .
وليس عجيباً أن يتكلم الغزالي عن السحر وهو في معرض الحديث عن النبوة , فإن للنبي معجزات يبرهن بها على صدق رسالته . والمعجزات أعمال خوارق للعادة والطبيعة , فما هو الفرق بينها وبين السحر .ومن هنا كان تناول الغزالي للقضية .
على أن " ابن خلدون " قد تناول موضوع السحر بتفصيل وتدقيق أكثر حينما تكلم عن ( السحر ) في المقدمة ." لأنه لما كانت المعجزة بإمداد من روح الله فإنه لا يعارضها شيء من السحر فإن سحر فرعون وسحرته لم يستطع أن يقف أمام العصا التي تلقف ما يأفكون وذهب سحرهم واضمحل كأنه لم يكن ".
والسحر حقيقة واقعة , فقد قال , " ابن خلدون في " مقدمته :" واعلم أن وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء " وأن علوم السحر والطلسمات كانت ( في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين وفي أهل مصر من القبط وغيرهم وكان لهم فيها التآليف والآثار ولم يترجم لنا من كتبهم فيها إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرها ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة فتصفح كتب القوم واستخرج الصناعة وغاص في زبدتها واستخرجها ووضع فيها غيرها من التآليف وأكثر الكلام فيها وفي صناعة السيمياء لأنها من توابعها لأن احالة الأجسام النوعية من صورة الى اخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل السحر ...ثم جاء مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات فلخص جميع تلك الكتب وهذبها وجمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم ولم يكتب احد في هذا العلم بعده ".

أنفاستعتبر حركة جمع التراث التاريخي وتدوينه جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية التي جرى جمع شتاتها وتسجيل مادتها في عصر الصحوة البورجوازية، وأهم من ذلك تبويب العلوم وتصنيفها واستقلال بعضها عن البعض الآخر، وتحديد موضوعات كل علم ووضع أصول مناهجه.
وبطبيعة الحال شارك الإخباريون ـ شأنهم شأن غيرهم من المشتغلين بالعلوم الأخرى ـ في تلك الحركة، بأن جمعوا الروايات التاريخية من شتى مصادرها، من الوثائق الرسمية، والنقوش الأثرية ـ في القليل النادر ـ ورواة القصص، والنسابة، وشيوخ القبائل، فضلاً عن المصادر الأجنبية، ثم رتبوا تلك المادة بعد نقدها وتمحيصها، ودونوها على الورق في شكل كتب ومصنفات ورسائل.
ويخطئ بعض الدارسين حين يرجعون بتاريخ التدوين التاريخي إلى العصر الأموي، استناداً إلى بعض الروايات التي تنسب رسالة مكتوبة في مثالب العرب إلى زياد ابن أبيه، ورسالة ذات طابع شعوبي في التظافر والتناحر لنسابة مجهول، وبعض مدونات لعبدالله بن عباس لم يطلق عليها اسماً خاصاً.
ونعتقد أن تلك الروايات تنطوي على انتحال بيِّن، فمن غير المعقول أن يكتب زياد في مثالب العرب وهو أمير لبني أمية على العراق في عصر أطلق عليه الدارسون عصر السيادة العربية. ورسالة التظافر والتناحر المشار إليها مشكوك في صحتها أيضاً للجهل بمؤلفها، فضلاً عن أن ظاهرة الشعوبية ولدت بعد في العصر العباسي. ومدونات ابن عباس يشكك عدم عنونتها في احتمال اعتمادها، ولو صحت فهي لا تمت للمعارف التاريخية بصلة. وإذا سلمنا جدلاً بوجود تلك المدونات حقاً في الحقبة الأموية، فهي لا تعدو نقطة في بحر المعارف التاريخية، بحيث لا يمكن الاستناد إليها في الحكم بأن التراث التاريخي دُوِّن آنذاك.
كما أخطأ بعض الدارسين في تفسير تأخر علمية التدوين ودوافعها، فالمؤرخ روزنتال عزى هذا التأخير لأسباب دينية، مؤداها عدم منافسة القرآن الكريم. ويرى أن المسلمين جروا على التقاليد اليهودية في هذا الصدد، حيث حرمت نصوص في سفر الجامعة تدوين الأدب التاريخي. وعلى العكس أكد مرجوليوث المغزى الديني لتدوين التراث التاريخي، فذهب إلى أن الغرض من تسجيله خدمة تفسير القرآن الكريم، وكذلك ذهب الدوري. ونحن لا نوافق على التفسيرين معاً، ونعتقد أن تأخر تدوين التراث التاريخي ـ وكذا التراث الإسلامي كافة ـ مرتبط بطبيعة التطور التاريخي، وكذا بطبيعة تطور الإلمام بهذا التراث. فمعلوم أن الأمية كانت متفشية بين العرب قبل الإسلام، فلما اعتنقوا الإسلام شغلوا بالفتوح التي ظلت مستمرة شرقاً وغرباً طوال صدر الإسلام، حتى إذا ما بلغت الامبراطورية أقصى اتساعها، بدأت مرحلة التنظيم إبان العصر العباسي الأول، ولم يقتصر التنظيم على الشؤون الاقتصادية والإدارية فحسب بل امتد إلى الجوانب الثقافية. لذلك يمكن القول بأن تدوين العلوم وتبويبها في هذا العصر جاءت كعملية منطقية متسقة مع طبيعة حركة التطور التاريخي.ومن منظور سوسيولوجي، نرى أن الاهتمام بالثقافة والفكر مرتبط نظرياً وتاريخياً بدور البورجوازية، وحيث تعثرت مسيرة القوى البورجوازية ـ طوال صدر الإسلام والحقبة الإقطاعية الأموية ـ ولم تنجز ما اصطلحنا على تسميته ((بالصحوة البورجوازية)) إلا في القرن الثاني الهجري، فقد تأخر تدوين المعارف إلى أن قامت ((نهضة ثقافية)) مواكبة للصحوة.

أنفاسيقال أن الشعوب تتعامل بأشكال مختلفة مع تراثها.‏ في الواقع، أنها تتعامل مع تراثها طبقاً لبناها المعرفية وانطلاقاً من أحكامها ومفاهيمها. لذلك يجيء التعامل مختلفاً.‏
ما نريد أن نقولـه هنا هو أن الاختلاف في مسألة التعامل مع التراث ليس فطرياً، بل أنه ذهني ولـه ما يفسره في طرائق التفكير والانفعال عند كل مجتمع من المجتمعات.‏
فالتراث مفهوم حديث، بالمعنى الذي أعطي لـه في الأدبيات والكتابات التي تلت عصر النهضة. إنه يمثل كتلة كبيرة من الأعمال العائدة للأزمنة العربية الماضية والتي كان للإسلام فيها إسهاماً معنوياً كبيراً.‏
من هنا يبدأ، عندنا، ربط المخزون الفكري العائد للأزمنة الماضية بمرجعية هي المرجعية الدينية. فلا يعود التراث، ضمن هذا الفهم، مجرد خزان ضخم لأعمال كتّاب من الماضي، يتم التعامل معه بالعقل، بل يتحول إلى مخزون معنوي هائل يستثمر في تجييش المشاعر، وأحياناً العصبيات.‏
لذلك يبدو تعاملنا مع التراث، منذ اللحظة الأولى، تعاملاً منحازاً، إذ نضعه بشكل إرادي في موقع سيتحكم به لاحقاً، فيغدو التراث بعدها رديفاً ولو غير معلن للإيمان، ينصاع لقانونه وينضوي تحت لوائه.‏
فلو نظرنا في اتجاهين، غرباً وشرقاً، سوف نلاحظ أن ما نحن عليه لا ينتمي إلى تجربة عالمية وطبيعية وفطرية، بل يعود إلى خيار فكري غير مدرك مستمد من موقف مسبق وضعنا أنفسنا فيه. فالتراث، كما سنرى بعد قليل، موقف ذهني متكامل من الآخر ومن العالم، يختلف من بنية اجتماعية إلى أخرى، ويتمتع بوظيفة محددة تنبع من رؤية أشمل تخدم هذا الموقف. علماً أن الموقف والوظيفة يتناسقان في ما بينهما على المستوى الداخلي من ناحية، ويتميزان، بحدة أو برفق، أو حتى بعصبية، عن العالم الخارجي من ناحية أخرى.‏

1 ـ الغرب والتراث‏
أ) عندما نبحث عن مصطلح التراث في القواميس الثنائية أو الثلاثية اللغة المتوفرة في السوق يشار لنا أن هذا المفهوم ترجم بـ patrimoine في الفرنسية، وبـ patrimony في الإنجليزية.‏
كما أننا نكتشف عند عودتنا إلى قواميس التأصيل اللغوي الأوروبية أن أصل المفهوم الغربي المشار إليه مشتق من اللغة اللاتينية حيث يعني patrimoinum الإرث الأبوي .

أنفاسفي هذا المجال هناك مجموعة من الملاحظات لابد من الأخذ بها لتمهيد التربة في اتجاه تحقيق شروط هذا الجدل البنّاء وتحوله إلى تعايش مخصب ومثمر يستفيد منه الإسلام وتستفيد منه الحداثة.
أـ ينبغي الإدراك أن عدم التوافق وأن الصدام لا ينبعان من وجود منظومتين أو منطقين مختلفين، فعلى الصعيد العقدي والرمزي ليس هنا إلا منطق واحد لدى المجتمعات وفي كل زمان ومكان، هو منطق التداعي والربط التعسفي والاعتباطي واعادة توظيف العلامات والرموز والمفاهيم والصور واعطائها المعاني الجديدة. ويكفي من أجل ذلك القيام بإعادة تفسير المنظومتين كما فعل العرب والمسلمون أنفسهم حتى الآن وكما سوف يفعلون في المستقبل. إذ ليس هناك أي حل تاريخي آخر، وليس هناك أي امكانية كي تغير أمة أو جماعة كلياً منظومة قيمها وتتبنى منظومة أخرى. وحتى الاسلام لم يفعل ذلك، وانما عمل إلى حد كبير من خلال اعادة توظيف المعطيات الثقافية العربية وتوجيهها في اتجاهات جديدة ارتبطت هي نفسها بتغيير المجال الجغرافي والسياسي تغييراً كاملاً حتى أمكن لها النجاح والانتصار. والأزمة التي يعرفها العرب مع الإسلام اليوم ليست جديدة وإنما هي حلقة من الحلقات الطويلة على طريق اعادة التفكير وتجديد المفاهيم والقيم والمعاني، أي وضع الاسلام والمنظومة القيمية الاسلامية في العصر والتطبيق العصري. وإذا كان الصراع قد تفجر في هذه الحقبة التي نعيش فلأن تأخراً قد حصل في العمل الفكري الضروري من أجل تجديد الأفكار وتنظيم القيم الوافدة والسيطرة عليها، أي اخضاعها لمنطق الثقافة المحلية وآلياتها ووضعها في سياق رؤيتها العامة وغاياتها. والسبب الرئيسي في هذا التأخر هو إلغاء حرية التعبير والتفكير والنشاط السياسي.
ب_ إن الموقف الجماعي والاجتماعي، وبالعمق السياسي أيضاً، من الدين، لا يمكن أن يتحدد بالنظر إلى حادث عارض أو موقف جزئي أو حركة سياسية أو موقف فلسفي أو فرضية نظرية. ولابد من أن ندرك أننا لا نستطيع الخروج من المأزق إذا ما بقيت اشكاليتنا الرئيسية فيما يتعلق بالدين مرتبطة وقائمة على أفكار مبتسرة سريعة حول الدين أو الدولة أو التعصب أو عدم التعصب، وإذا ما استمرت مرتبطة بدوافع وقتية سياسية أو غير سياسية، تكتيكية، أو إذا ما بقيت قائمة على المخاوف وعلى الرياء والغش والخوف من الدولة أو من رجال الدين أو من الجمهور. فلا بد لنا، ونحن نواجه هذه المسألة الكبرى؛ من أن نتجاوز أفكارنا المجتزأة وحساسياتنا الشخصية ورؤيتنا المصلحية الضيقة التي كثيراً ما تخفي عنا حقيقة الوضع.

أنفاسفي الفكر العربي وظاهرة الدين:
لقد أثر الدين في المعرفة والبحث في المجتمع العربي من حيث اختيار النظريات والمناهج والميادين. ووضع الحدود التي لا تتعارض مع تعاليم الدين وروحه. وفكرة العلم النافع وغير النافع التي ترد في التراث كثيراً تعبّر عن تدخّل الدين أو توجيهه المعرفة المطلوبة حتى تأتي ملبية الحاجات المجتمعية والفكرية، ولكي تحافظ على الوحدة والتماسك في كثير من الأحوال. وقد كانت كلمة العلم والعلماء، وما زالت _في بعض الحالات _ ترتبط بالمعارف الدينية وأهلها. أما الظاهرة الدينية، الموضوع، فقد ظلت خارج ميدان الدراسة العلمية لأنها تتضمن فوق البشري والمتعالي. وتنتهي حدود أي دراسة عن الدين عند الشرح أو التأويل الذي يُمكّن الدين من مسايرة مستجدات التاريخ والتطور.
أخذت دراسة الظاهرة الدينية حيزاً كبيراً في الفكر العربي _ الاسلامي المعاصر، ولكن علم الاجتماع في الوطن العربي بتعريفه ومحاولاته المعروفة في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والبحثية لم يساهم بقدر وافٍ في دراسة الظاهرة الدينية بوسائله وتحليلاته الخاصة رغم أهمية الظاهرة.
كذلك نعني بالتفسير الاجتماعي _ التاريخي للظاهرة الدينية الاجابة عن نشأة الدين ووظائفه وتوظيفه، بتتبع التطور الزمني والسياق الاجتماعي والثقافي للظاهرة. ونستطيع القول، بحسب الفهم المعروف لعلم الاجتماع والمقصود من الدراسة الاجتماعية للدين، إن الميدان في كليته ما زال بعيداً عن البحث والتناول رغم وجود دراسات عديدة بالذات الفلسفية والفكرية والسياسية في الفترة الأخيرة جاءت تبحث في عجلة عن الواقع الذي تنامت ضمنه الاتجاهات والتيارات الدينية.
هذا قصور في علم الاجتماع العربي، وشكل من ملامح أزمته الراهنة، إذ يفتقد التحليل السوسيولوجي ظاهرة البعد التاريخي والوعاء الاجتماعي الذي تتفاعل وتنمو الظاهرة داخله، وتعالج غالباً كموضوع لا تاريخي، مجرد خارج المجتمع. ودراسة الظاهرة الدينية اجتماعياً مثال ساطع على هذا التناول الناقص الذي لا يتعرض للتأثير المتبادل بين الدين وبقية الظواهر الاجتماعية والمجتمع الكلي.
يمكن أن نعيد أسباب انتشار هذا التناول التناقصي الى ظهور منهج أو دعوة الى منهج يتضمن العقيدة او الايديولوجيا الدينية كجزء أساسي.