"إنها (أي الِّديكُولوِنْيَنَةdécolonisation) ضرب من الثورة الكوبرنيكية المتمثّلة في الانفصال عن المركز بالتساؤل، لا عمّ يمكن تعليمه للآخرين، بل عمّ يمكن تعلّمه من الآخرين."(مبوندا)
"يتعلّق الأمر بقطع الاتصال بمواقع التعبير والقول المتصلة بالكولوينالية / الحداثة، و وربط الصلة بالذات ، بالمواقع الذاتية للقول ، بـ"الأساطير" الخاصّة، والتحرّر والانفلات من " المصفوفة الكولونيالية للسلطة"، و التحرّر من نظام ابستيمي يمنع من التفكير بذاته وانطلاقا من ذاته "( أ. ماري مبوندا)ّ
"إنّ العقل ( الكولونيالي) المتكبّر أو الخامل، هو العقل الذي يرفض تعلّم إماتة أفكاره المسبقة ، والذي يرفض التخلّص من مقولاته الأبدية والكونية، و إزاحة الحواجز للتفكير على نحو آخر، للتفكير مع الآخر وللتفكير في الغيرية". ( أزم. مبوندا)
إنّ مقولة دِيكُولِونْيَنَةِ décolonisation المعارف أو تحريرها من النزعة الاستعمارية، حاضرة بشكل يتزايد في أعمال العلوم البيوطبية biomédicales ، وفي العلوم الاجتماعية ، وفي الأدب وفي الفلسفة. وبإمكاننا كذلك تعريفها في عبارات التفكيك déconstruction ، و" العصيان الإبستيمي" (1) « désobéissance épistémique ، وفقدان الوجهة أو " التيهان"(2) « désorientation ، و" ترييف أوروبا" « provincialisation de l’Europe(3)، وباختصار في إدانة كلّ إدّعاء هيمني وغير تساؤلي لحيازة المعرفة الكونية ، إدانة مؤائمة للدفاع من أجل "الإزاحة عن المركز"décentrement » و تداول المعارفsavoirs" « circulation des . إضافة إلى أنّ تفعيلها يصطدم بعوائق يجعلها جدّ خيالية . تتميّز هذا الديكولونينة للمعارف في مجال الفلسفة ، إنْ لم نقل ملغومة ، بجملة من " النزاعات" المتّصلة بتاريخها وجغرافيتها وأمكنتها وأنماط إنتاجها وذواتها وموضوعاتها.
نجد فيها غالبا التساؤلات التالية : هل يوجد فلاسفة لاغربيين ؟ هل توجد فلسفات هندية، صينية وإفريقية؟ أيّ منزلة تحتلها الفلسفات اللاغربية في شرائع الإستوريوغرافياhistoriographie أو عمل المؤرخ للفلسفة؟ إيّ منزلة تحتلها الفلسفات اللاغربية في برامج تعليم الفلسفة في الغرب وفي أماكن أخرى؟ هل بإمكان المستعمَرين القدامى الكلام والتفكير" على نحو آخر مغاير لنمط الجواب والتفاعل في اللغة ووفق منطق التحكّم والهيمنة؟"(4) .
لقد اخترت التعبير عن عنوان هذا المقال بصيغة السؤال التي فضلا عن ذلك ، تحمل لأول وهلة، بعبارة "ممكنة"، على التفكير في تحيّز ريبي بالنسبة إلى ما هو موضوع الرهان. وبالفعل، فالسؤال يمكن أن يُؤوّل بما هو استفهام عن الطابع الممكن ببساطة لمثل هذه الديكولونْينة. وقد يكون بإمكاننا أيضا، للتشديد على هذا الارتياب الظاهري، إعادة صياغة السؤال على النحو التالي: ما هي شروط قابلية التفكير pensabilité أو شروط إمكان ديكُولُونْينة فعلية للمعارف في الفلسفة؟ بهذه الصياغة للسؤال ، وبالتشديد على شروط ديكولونْينة للفلسفة ، تترك الرّيبية المجال مفتوحا لإمكانية فحص بنّاء لما يظهر كممارسات لديكولونْيَنَة للمعارف. سأبدأ هذا الفحص بمحاولة توضيح مقولة ديكولونْينة المعارف ذاتها. ثمّ سأحلّل ما أسمّيه " نزاع" ديكولونْينة المعارف في الفلسفة بالارتكاز بالخصوص على حالة الفلسفة الإفريقية التي تبدو لي احد المختبرات الرئيسية لهذا النوع من التساؤل . و سأحاول،انطلاقا من هذه الحالة الخاصّة ، بيان أنّ المحاولات البارزة لديكولونْينة لمعارف في الفلسفة الإفريقية تجد صعوبة في التخلّص من مكر العقل الاستعماري أو الكولنيالي. إنها ( أي هذه المحاولات) ، سواء قدمت نفسها في شكل مطالبة "بحقّ الاختلاف"أو " بحقّ التشابه"، ذات ميل إلى تثبيت، على نحو مفارقي، هيمنة المعرفة الكولونيالية. إنّ إمكانية ديكُولونْينة للفلسفة تقتضي فيما يبدو لي الأخذ بعين الاعتبار لهذه المفارقة.