يوجد توتّر ضمني، يظلّ غالبا لاواع وبالتالي غير مصاغ نظريّا، بين الأهمّية الخبرية للنباتات التي يصفها ويدرسها الإيكولوجيون وبين البيولوجيون النباتيون وغيابهم النّسبي في الفكر الفلسفي والإيتيقي. وفي كلمة، كيف نفسّر عامّة لامبالاة فلاسفة البيولوجيا وأغلب مفكّري الإيتيقا البيئية تجاه النباتات، في الوقت الذي يبرهن فيه العلماء على ميزاتها الأساسيّة اللازمة لكلّ حياة وكلّ محيط؟ والآن، بعد وصف وتشخيص هذه الإثباتات سنحاول تعليلها واقتراح تمشّ بديل بتوسّط بعض المبادئ المفيدة للتفكير الإيتيقي في النبات.
جون كوبر.. سقراط والفلسفة كأسلوب في الحياة (3/3)- ترجمة: أحمد رباص
سقراط لم يجد نفسه في أي موقف من تلك المواقف. لقد فكر بالتأكيد كثيرًا في المشكلات التي وجهها بعد ذلك إلى الآخرين (خاصة بفضل المقابلات السابقة). كان لديه بالتأكيد وجهة نظر مفصلة حول هذه القضايا، المربكة وحتى المكلفة في بعض الأحيان - كما رأينا في مرافعة افلاطون. (سوف أعود إلى هذه النقطة لاحقا). لكن كما رأينا، لم يقتنع بأي رأي من آرائها، رغم أنه عاش وفقا لها ما دام لا يرى أي سبب للشك فيها.
كان على استعداد تام لمزيد من التفكير فيها إذا لزم الأمر، حتى يتم تأكيد حقيقة كل واخد منها. بالنسبة لأي شخص يميل إلى هذا الحد، يبدو من المعقول أن يعتقد أن الدور المناسب في المناقشة الفلسفية هو الدور الذي يتمسك يه سقراط: استجواب الآخرين، مع الاستمرار في فحص الأفكار أثناء المحاورة وبالتالي في العمل. وفي حالة عدم اقتناعه بأي رأي من الآراء، فإن الانتقال من دور السائل إلى دور المجيب سيكون محرجًا من الناحية الفكرية (وبالنظر إلى موضوع المناقشة، من الناحية أالأخلاقية). إن القيام بذلك يعني التأكيد على أنه ملم، أو مقتنع بما يكفي برأي لتاكيده بافتراض أنه صحيح وأنه من المؤكد أنه سينجح في تبريره تماما.
جون كوبر.. سقراط والفلسفة كأسلوب في الحياة (3/2) - ترجمة أحمد رباص
تتميز فلسفة سقراط كأسلوب حياة عن جميع التصورات اللاحقة بكونه قضى حياته في فحص الأفكار الأخلاقية للآخرين بلا هوادة بالموازاة مع فحص نفسه. يضع سقراط صحة روحه فوق كل القيم الأخرى، ويجعل هذا الخير يعتمد بشكل وثيق على التحقيق الفلسفي والفحص الذاتي، بحيث أنه في شهادة أفلاطون عن محاكمته، صرح لهيئة المحكمة أنه سيرفض التبرئة المقترحة إذا اضطر بسببها إلى التوقف عن نشاطه . لكن لماذا رفض ذلك؟ أعلن أولاً على سبيل التوضيح أنه ليس مدينا لهم بالطاعة بقدر ما هو مدين بها لأبولو، الذي ألزمه رده على طلب شريفون بتكريس نفسه لفحص آخر. ويضيف أن هيئة المحكمة، بصفتها ممثلة للشعب الأثيني، يجب أن تجد أن من مصلحتها أن تستمر بدلاً من التوقف. ليس لدي أدنى شك في أن سقراط صادق في تقديم هاتين الحجتين (على الرغم من أنه من غير المحتمل أن تكونا قد أقنعتا هيئة المحكمة).
نظرية التفنيد عند كارل بوبر - د.زهير الخويلدي
"ما هو علمي هو ما يمكن إثبات زيفه"
لفهم كيفية اشتغال العلم، عليك أن تقرأ كتب الفيلسوف لكارل بوبر 1902 -1994، والتي نُشرت لأول مرة باللغة الألمانية عام 1935، ثم باللغة الإنجليزية عام 1959. حتى لو كان الأمر صعبًا، فسوف تفهم سبب تأثير هذا العمل على فلسفة العلوم في القرن العشرين. لقد كانت حجته حول الدور المركزي لقابلية التفنيد تكمن في أن العلماء يختبرون نظرياتهم من خلال محاولة دحضها وقابليتها للتكذيب ومع ذلك، في التعامل مع طبيعة المعرفة، يفترض الناقد المعرفي الدراية بقوانين المنطق المعرفي والالمام بسلسلة كاملة من المنظرين.
موجز إستيتيقا مغايرة (inesthétique): الرقص بوصفه مجازا للفكر - آلان باديو – ترجمة: عبد الوهاب البراهمي
لماذا يجد نيتشه في الرقصَ مجازا لازما للفكر؟ لأنّ الرقص يتعارض مع ألدّ أعداء زارادشت – نيتشه ، عدوّا يشير إليه بوصفه " روح الثقالة" esprit de pesanteur". إنّ الرقص هو قبل كلّ شيء صورة لفكر تخلّص من كل روح ثقالة. من المهمّ رصد الصور الأخرى لهذا التحرّر، ذلك أنّها تُدرِج الرقص ضمن شبكة مجازية متماسكة. هناك مجاز العصفور مثلا. يعلن زارادشت :" لأنّني أكره روح الثقالة التي ينبئني بها العصفور." هذا رابط مجازي أول بين الرقص والعصفور.أو لنقل ثمّة تولّد، ولادة راقصة لما يمكن أن نسمّيه العصفور الكامن في الجسد. وعلى العموم هناك صورة الطّيران. يقول زارادشت :" إنّ من يتعلّم الطيران يمنح الأرض اسما جديدا .فقد يسمّيها المجنّحة ". فعلا، قد يكون هذا تعريفا جميلا جدّا وذكيّا للرقص، فضلا عن كونه تسمية جديدة للأرض. هناك أيضا مجاز الطفل. إنّ الطفل يعني " براءة ونسيان و بداية جديدة، لعب، عجلة تتحرك ذاتيا، أول دافع و إثبات بسيط". يتعلّق الأمر في بداية زارادشت، بالتحوّل الثالث، فبعد الجمل المقابل للرّقص، والأسد الذي يشير إلى العنف ممّا لا يسمح بموجبه تسمية الأرض مجنّحة. وبالفعل علينا القول بأنّ الرقص، بوصفه عصفورا وطيرانا، هو أيضا كلّ ما يشير إلى الطفل. الرقص براءة لأنه جسد قبل الجسد. إنّه نسيان، لأنّه جسد ينسى إكراهه ووزنه. إنّه بداية جديدة، لأنّ الحركة الراقصة يجب أن تكون دوما كما لو أنّها ابتكرت بدايتها الخاصّة. وهو لعب بالتأكيد لأنّ الرقص يحرّر الجسد من كلّ محاكاة اجتماعية، من كلّ ما هو جدّي، ومن كلّ تلاؤم.وهو عجلة تتحرّك ذاتيا: وهذا تعريف جميل جدّا وممكن للرقص. ذلك أن الرقص هو بمثابة دائرة في الفضاء، ولكن دائرة لها مبدأها الخاصّ، دائرة لم ترسم من خارج، بل دائرة ترسم نفسها.
جون كوبر.. سقراط والفلسفة كأسلوب في الحياة (3/1) - ترجمة: أحمد رباص
في الفلسفة اليونانية القديمة يوجد بعد يميزها، ربما أكثر من أي بُعد آخر، عن الفلسفة كما نفهمها اليوم، وحتى منذ نهاية العصور القديمة: فكرة الفلسفة كأسلوب حياة. لا وجود لهذا التصور، على الإطلاق، في جميع العصور أوعند جميع المؤلفين الفلاسفة. لكن بالنسبة للعديد من الفلاسفة القدماء، ووفقا لصورتها في الأذهان، لم تختزل الفلسفة في مجرد مجال بحث. كانت الفلسفة في العصور القديمة، كما كانت دائما منذ ذلك الحين، مجموعة من المشكلات التي تتحدى الذكاء، والأسئلة التي يجب تعميقها، شفويا أو كتابيا أو على النحوين معا، والمفارقات التي يجب حلها، والخلاصات التي يجب التصريح بها ودعمها بالحجج الفلسفية التي يجب أن تصاغ بدورها وتفسر، والنظريات البديلة والمنافسة، الخاصة بواضعها، والتي نشجعها ونرفضها لأسباب تنتقد من جديد او يقع الدفاع عنها ونقلها للآخرين.
القَوَّالَةُ الكبير - مشيل أنفراي – ترجمة: يحيى بوافي
ترقبوا وسَتَروْن؛ إنه الرئيس ماكرون يُلْقي خطابه، ونحن على علم بتفوقه في ذلك، لكنه بخصوص مشكلة الانعزالية [أو الانفصالية ] بالكاد سيتجاوز حد حسن السَّبك هذا.
كان من الواجب على الأوريلانيين Les orwelliens (نسبة إلى جورج أوريل) التفكير في الأثر الدلالي لكلمة انعزالية حتى يتم تَجنُّب استعمال عبارة النزعة الجماعاتية communautarisme، وتلك حيلة، موجَّهة لـ"السيار"، الذي حتى قبل أن يستمع إلى ما كرون، لن يعوزه وصم خطابه بالإسلاموفوبيا. فعناصر لغة تحمل رائحة النزعة الإسلامية- اليسارية تترصَّد وسائل الإعلام على أحرّ من الجمر تَرَصُّدَ القُراد لشعر الكلب.
وهي الفرصة التي لم يتم تفويتها، ففي غضون ربع ساعة تلت نهاية الكلمة الرئاسية، عبر مشيل سودي Michel Soudais من مجلة Politis عن أن النزعة الانفصالية [أو الانعزالية] هي على الخصوص واقع الأغنياء الذين لا يسلكون بكيفية جمهورية بتهربهم الضريبي في الملاذات والجنان الضريبية التي نعرفها. وفي حزب فرنسا الأبية ((LFI)، تم رفع العقيرة على نفس المقام، فمانون أوبيري Manon Aubry، النائب في البرلمان الأوربي من نفس التشكيل، ردَّدَ نفس اللاَّزمة قائلا: "لم يتحدث ماكرون عن الانفصالية والتماسك الجمهوريين: لم يتحدث سوى عن الإسلام، بكيفية استحواذية، وصْم المسلمين، ذلك هو حَلُّه الوحيد كي يحاول إخفاء تدبيره الكارثي للأزمة الصحية والاجتماعية". إلخ
دومينيك بورغ.. أزمة كورونا مؤشر على بداية انهيار الحضارة الصناعية - ترجمة: أحمد رباص
فرنسا تواجه “أخطر أزمة صحية منذ قرن”، كما قال إيمانويل ماكرون في خطابه يوم الخميس 16 مارس الماضي. بعد الصين، توقفت العديد من الدول الأوروبية، بما فيها فرنسا. انهارت الأسواق المالية، في حين وجد جزء من السكان أنفسهم محاصرين بين أربعة جدران، معزولين في منازلهم، يعملون عن بعد أو في عطالة تقنية.
هل هذا الواقع بصدد تأييد أنصار الكولبسولوجيا (دراسة انهيار الحضارة الصناعية وما يعقبها) الذين يضعون نصب أعينهم – في كتاب “كيف يمكن أن ينهار كل شيء؟” لبابلو سيرفيجن ورافائيل ستيفنز – انهيار الحضارة الصناعية الحرارية؟ هل تؤشر أزمة فيروس كرونا على بداية هذا الانهيار، شريطة أن تُفهم على أنها جماع كل الأزمات: مناخية، بيئية، بيوفيزيائية، اقتصادية ، إلخ؟ ليس لدى دومينيك بورغ، الفيلسوف والأستاذ الفخري بجامعة لوزان، أي شك في ذلك. هذا ما نستشفه من الحوار الذي خص به موقعا إخباريا فرنسيا.