كنت كلما اقتربت من نقر أصابعي فوق الباب يزيد ارتباكي وقلقي. حرصت أن يكون الدق خفيفا وأقل من لسع البرد في ظهري. قلت: سأحكي كثيرا..
لملمت طرفي السويتر وأقفلت السوستة إلى أعلي قمة في رقبتي..
كدت أفر إليها لحظات كثيرة بعد هربي من كل سنوات عمري الماضي.
أعود إليك حد الأحلام والدهشة والتفاصيل الذكية الصامتة أو هروب من حالة الجمر والتوهج في سراديب عتيقة . أترصد فحيح اللحظات وأخبو مع تراكم وعيي بالسعادة المطلقة، وأجيج الانتظار الذي يأخذ شكل الانتحار أحيانا.انفتح الباب وزام.
مساء الخير.
جاهدة كانت تحاول إخراجي من إعياء الذاكرة، أهرب من تقمصي لحالة الرجل البارد .ومن قبض الانتظار في صحراء التذكر
ملامحي تغيرت عن أيام زمان ،شعر ذقني الكثيف نابتا دون نظام وهي تضم أطراف القميص الحرير، تعصر التشابه الممكن.أنتقل للخواء وأخفض نطري للأرض
الأستاذ محمد موجود ؟
استرقت النظر في عيونهم خافقة دواخلي بتوجس ما يمكن أن يتهامسوا به في عز التظاهر بمشاركتي احتفال ما يسمونه ليلة الدخلة ، وأخيرا ضاعت منه سلطانيته ، انهزم المحارب على جبهة الرفض المطلق لطقوس اللعبة ، شعرت بالتقزز من لحظة انفصال ذاتي عن ذاتي ، سألني أخي ''أحمد'' عن التحول المفاجئ ، لم أكن أدري أنه سينقل عنّي بالحرف بعضاً من ردّي عليه ، فقد سرى بين صحابي وأهلي أنني ما أقدمت على ما أنا فيه سوى لرغبة في توقف النظر إلي كعانس قبل الأوان ، لكن ''أحمد'' كان أميناً فيما تبقّى من حديث حول خوفي من عجز محتمل عن أي فعل ، ابتسم مستغرباً حين أسررت له بنفي مداعبتي لها بأي شكل من الأشكال طوال فترة الخطوبة ، ثم علّق عليّ خائفاً من سكوتي عما قد لا تحمد عقباه ، وهو يستعرض أمثلة الذين تأخر بهم الزواج، فاكتشفوا أنهم في النهاية عاجزون عن قطرة دم في مثل هذه الليلة ، لم أشأ التعبير أمامه عن انزعاجي من فشل محتمل ، رغم أنه يدري أكثر من غيره ما كان بيننا من صعلكة في سوق النساء ، تبا لها من طقوس مقيتة.
شَدَّ بعنفٍ أزرار معطفهِ المتهالكِ من كثرة التَّرْقيعِ واتَّجَهَ صوب الميناء . كانت كل أحشائه تعتصِرُ ألمًا من شدة الجوع.
ألفى زملاءه لدى بهو المصلحة يتناوبون على التوقيع في ورقة الحضور اليومي . تولى إلى ركن ليشرب فيه سيجارته الصباحية الأولى حتى ينفض زحام الموقعين. نظر إليه أحدهم وسأله عما به . أجاب: "لاشيء". توجه تلقاء مكتبه دون أن يتفطن للنظرات التي كانت تحدجه . وما ان أخذ مقعده حتى أشار إليه الجالس قبالته : " وجهك ، اليوم ، غير طبيعي ؛ فماذا حدث ؟ ". بحركة آلية مسح وجهه بكفه، ثم بسطها أمامه باحثا فيه عن أثر ما. أحس العيون تحيط به من كل الجوانب . " لون وجهك أصفر..صفرة غريبة .. هو أصفر وأحمر معا". " قد تكون حساسية ناتجة عن طعام أكلته " . انطلقت الألسنة من عقالها ولا من يوقفها. استعراض للأمراض والحالات والأعراض والتجارب . بصوت خافت ممطوط قال : " ولكني لا أحس بأي ألم " . لم يسمع كلامه أحد . كان القوم قد غفلوا عن حالته وجرفهم الحديث إلى ضفاف بعيدة . فجأة ، استيقظ شيء ما بداخله ؛ فاعتكر صفوه . راح ينقل عينيه بين الوجوه كأنما يرغب في قول شيء ما. سأل : "كم الساعة الآن ؟ ". لم ينتظر الجواب ، وقام وانصرف .
تجيئين مبرقعة بالماء وبالزخارف العظمى ، تنثرين الضوء على قباب دهشتهم وتؤلفين ما بين الأحمر المأخوذ من ورد الجنائن والأخضر المخطوف من غابات عربستان .... ذاك رداؤك .
القط :
قرأت في جريدة عربية ، تسكن في بحار صمت الأرصفة الفوارة ، الخبر الأزرق التالي:
على نفس الرصيف ,الذي لم يتغير سوى لون طلائه,إذ يبدو احمراره يانعا...قرب نفس العمود الذي تتراقص ألوانه ,وتحت نفس النخلة التي ازدادت ثباتا...الآن أقف.