لو تعرفين وهل إلاَّك عارفة هموم قلبي؟ رددت الكلمات مرارا وأنا أحس كأنما هي كلماتي آتية من الأعماق يغلفها الحزن ويجللها إحساس بانكسار في داخلي. كادت أن تهمي دمعة من عيني. ترقرقت ولكنها تحجرت في الجفن. تذكرت أمس حزني المكبوت وقهري الصامت وبكائي في سواد الظلام كي لا تحس بي أمي فيصيبها الحزن وتشرع في البكاء والنشيج.كانت فيروز تغني بصوتها الملائكي والدنيا تألقت باشراقة نورانية. كان الفضاء صحوا والهواء باردا عليلا في صباح من صباحات نيسان. لكن الأمر لم يخل من إحساسي الدائم بالحزن يسري في أعماق القلب وفي شراييني فأحس باضطراب داخلي . بدت الدنيا كلوحة انطباعية بألوانها اللازوردية الزاهية من ريشة فنان كرذاذ أثيري رائع. لكن إحساسي بالحزن صار غريزيا. لقد تغير شيء ما في داخلي. لم أعد أنا ذاتي. أفكر بالألم قبل اللذة، وأستشعر الحزن قبل الفرح. نيسان يثير فينا ذكريات. يوقظ الشجن وينكأ الجراح. نيسان وما أدراك ما نيسان. تذكرت اليوت حين قال انه أقسى الشهور ينبت الزنابق في الأرض اليباب. أحس نفسي مثل صحراء جرداء لم يعد ينبت فيها نخيل وجفت واحاتها. صار البيت عالمي الوحيد وأرضي اليباب. كنت أشعر بالضيق والاختناق أول الامر، لكنني تعودت عليه وطوعت إرادتي وآمالي وأحلامي لتعيش فيه بغير شكوى أو حزن. لم تعد الوحدة ترعبني كما كانت أول الامر.
هرولت مسرعا ومن فراش نومي الى مفوضية الشرطة , رغم أن الساعة تجاوزت منتصف الليل , لكن الطارئ الذي حدث في منامي أرغمني على الهرولة الى هناك!
فسحتها الوحيدة، نافذة بشباك حديدي.. تعودت أن تقف أمامها لساعات طوال رغم اعتراض أبيها.. يأتي صوت الجدة، حادا:
- توقف يا إبراهيم، توقف وإلا أطلقنا النار عليك.
أجزم.. لم يكن لأبى يوماً مثل هذا الصندوق الأسود المرتفع؛ لم يكن في بيتنا مكان يمكن إخفاؤه به.
حبات المطر في الخارج تتناثر بتمهل على زجاج النافذة ، فتحدث صوتاً ناعماً يشبه النقر البطيء على صفيحة فارغة . وضوء الشمس لم يعد يرسل جدائله.... يتسلل عبر خروم الستارة العتيقـة المتدلية على النافذة بوساطة مسمارين مثبتين على الحائط . كانت العاصفة الثلجية قد انجابت، وهدأت قبل قليل... وثقل المكان بالسكون، والقلق والترقب ، باستثناء نقر حبات المطر الخفيفة المتباعدة ، وصوت خرير مياه الأمطار تسيل باتجاه القنوات والحفر في الشارع الموحش الخالي من المارة .
التقيتها. لم تتأخر كثيرا عن الموعد المضروب بيننا سلفا, عيناها حمراوان مثل حبتي طماطم ناضجتين. دخلنا إلى أقرب مقهى هروبا من عيون تحترف الفضح كما قالت هي.
الى الطاهر بنجلون