تراكمت الأفكار في مخيلته و تزاحمت المعطيات برأسه... إنه يحاول جاهدا منذ أسبوع، أن يتحكم في خيوط كتابة قصـته الجديدة.إنه يريد أن يخلق " بطلا" غير نمطي و من طينة فريدة،يتصرف على غير العادة و يتحرك بكل سلاسة، متجردا من قيود الزمان و المكان و غير آبه بالآليات النفسية و الذهنية المألوفة لدى البشر.
و أضحى يسأل نفسه عن الكيفية التي من شانها أن تسهل عليه الأمور و تجعله يتحدى القيود التي يفرضها باقي كتـــــاب القصة على نبسات و ردود أفعال أبطال قصصهم، فإما أن يكون بطلهم ذا شخصية مركبة/ مدورة، تتغير سلوكيـــاتها بتغير ظروف الأحداث و المواقف و ترتفع وتيرة انفعالاتها وفق منحنى تصاعدي، أو أن يكون بطلهم ذا شخـصية بسيـطة و عادية، تسير وفق منحنى مستقر طوال زمن السرد.
لكن كاتبنا لا يريد تجريب أو بالأحرى تكرار تقنيات مـــن هذا القبيل، فهو يريد " بطلا" يراوغ عادات و تقاليد مجتمعه، ينسل من الأدلاــجة و المبادئ المحنطة، فلا هو بالملتزم فكريا أو دينيا و هو بالبوهيمي المتجرد من قيود المجتمع و تـــصرفاته،و لا هو بالمتدين و لا هو بالملحد أو العـــلماني، و لا هو بالمتعلم المثقف و لا هو بالأمي الجاهل، و لا هو بالمثــالي الحالم ولا هو بالواقعي المغرق في التشاؤم...
كان يقرأ خاطرتي الجديدة " عذابات خيال" ... كان يقرأها بصوته العذب الشّجيّ : " نقشت رسمك في البال... بأبهى ألوان الخيال...توجّتك أميرا في الحال... على مملكتي في عالم الجمال! " .
بمشقة وعناء يزحف الصبي نحو السادسة عشر من عمره، جلد وجهه اسمر و مليء بحب الشباب، وبثور لها زيوان صغير أسود كلطع الذباب. توضأ الصبي وصلى العشاء، ثم ذهب وحده نحو الدكان الذي يريد أن يسرق منه قطعة شوكلاته بالبندق، لقد قرر أن يسرق وحده بعد أن غدر به شريكه في السرقة، ولم يعطه نصيبه في آخر مرة سرقا فيها معا، رغم اليمين الذي حلفا به في آن واحد، وفي آن واحد وضع كل منهما يده على المصحف وهو يحلف أغلظ الأيمان على أن يسرق بإخلاص وضمير، ثم تمتما بالفاتحة لتأكيد اليمين على أن يسرقا سوية واقتسام ما يسرقانه بينهما بالنصف، بحق الله بلا أي خيانة أو غدر.. وفي سره راح الصبي يشتم ويلعن صاحب الدكان الذي يضع الشوكلاته على الرفوف العليا، بعيدة عن متناول اليد، وفوق هذا كله يجلس وسط دكانه متحفزا ومفتح العينين، مما قد يفسد عليه خطته التي جهزها في عقله ليلة البارحة، وسهر عليها معظم الليل يقلبها في رأسه حتى اكتملت معالمها وصارت خطة محبوكة.. وفي نفسه أخذ يؤكد أن صاحب الدكان بخيل، الله لا يمسي وجهه بالخير.. آه لو أنه يبتعد عن الدكان لمدة دقيقة واحدة لا غير، فليذهب إلى أحد مخازنه الكثيرة لجلب غرض ما، أو يذهب إلى الحمام ليقضي حاجته، أو يذهب إلى جهنم الحمراء.. خطا الصبي إلى عمود النور المقابل للدكان، إلى الجهة الأخرى من الشارع، هو عمود نور تشع لمبته نورا ضعيفا شاحبا اصفر، كصفرة بياض عين إنسان مصاب بمرض في الكبد، وبالكاد يستطيع نوره اختراق الظلمة بعد عناء مع زجاجه السميك المغبر، وكفاح مستميت مع العتمة المكثفة في المسافة الفاصلة بين اللمبة والأرض، فيحس من يقف في المكان أن للضوء آلام وأنين..
… ها هو السيد "سين" يعبر البوابة الكبرى كعادته، وجهه مدثر بمسحة حزن، وجسده النحيل ملفوف في معطف حائل اللون، بفعل التقادم، يتأبط تحت ذراعه الأيمن محفظة عجفاء ضامرة تعكس خواء ما تحتويه، ولا تعطي صورة حسنة عن حاملها.
… بعد أن أجرى الفحوصات الضرورية على المريض، اقتعد الطبيب كرسيه المتأرجح، حملق في وجه معيده، حرك رأسه أفقيا، كزّ أسنانه ورسم على محياه سمات الجد وقال :
جلس ذو البطن المنتفخ على كرسي وثير ، وقد تدلت قطع من اللحم على جنبات الكرسي ، بطن منتفخ مترهل ، أمامه طاولة عليها كأس عصير وعلبة سجائر ... تقدمت منه الخادمة الصغيرة ، الشابة النحيلة ، تقدمت بخطى وئيدة وجسدها يرتعش ، لقد كانت تعرف عنه القسوة والشدة والصلابة ـ طبعا ـ على الضعاف أمثالها ، وقفت على بعد متر تقريبا ، انتظرت أن يرفع بصره ، هو لم يلتفت إليها ، هي لم تجرؤ على مخاطبته حتى يأذن لها ...طال انتظارها ...استمر الأمر دقائق ...سرحت بعقلها وخيالها بعيدا ، فجأة سمعت صرخة مدوية : ماذا تفعلين هنا ؟ كيف تقفين أمامي كالصنم ؟
ليلة مقمرة اقترب فيها القمر كثيرا من الارض , نادر ان يصادفها الانسان ويستلذ بتذوقها , لكن كائنا واحدا من بين كل كائنات الارض كان غارقا في سهر لا إرادي ولا شعوري يعزف ويرقص وحده وبنشاط وجنون, شاعر لا حبيبة ولا جواز سفر ولا وطن له....
في مقهى من مقاهي وسط المدينة ... المدينة التي لا اسم لها ولا رسم ، لا ملامح ولا معالم ، جلست ، وبعد أن انتظرت لحظات هذا النادل البئيس ، بدأت التأمل... المتسولون كثيرون ؛ من حيث العدد ، وكثيرون من حيث الصفات : نساء ، أطفال ، شيوخ ، " شماكرية " ، معوقون ... ألوان مختلفة : أسود أبيض أسمر... أشكالهم متنوعة : طويل ، قصير ، متوسط ، وشكل رابع لا هو هذا ولا هو ذاك ، لا هو بالقصير ولا هو بالطويل ... نصف جسم ، يسير أو يزحف يمسح الطوار بعجيزته ، يتحرك حركة لا تعرف اليأس والقنوط ، لا يستسلم ولا يمل ... عجوز تجلس على الطوار تفرش قطعة " كرتون " ، تلتفت يمينا وشمالا ... لا تفلت أحدا إلا وأشارت إليه بيدها آملة أن تجود يد هنا أو يد هناك ... ما أكثر من يرفعون أيديهم ويخفضونها ، كناية عن : " الله غالب " ... في البداية كان المتسول إذا ألح إلحاحا ، سمع عبارات يتناقلها الخلف عن السلف : الله يساهل ... بحالي بحالك ... أو تتخذ شكلا استهزائيا : ما فايتك غير بطجاكيطا أو عبارة ماسوﯕرت ليك والو ... ومع توالي الأيام وتكاثر المتسولين بدأ الزبناء أو من يفترض فيهم أن يكونوا زبناء لهؤلاء المحترفين ... هؤلاء الذين اختاروا مهنة لا تقل عن المهن الأخرى دخلا كما لا تخلو من متاعب ـ كما يزعم أصحابها ... بدأ الزبناء يشيرون بأيديهم ولا أحد منهم يجيب ، ما جدوى أن تجيب ألف متسول؟ وما جدوى أن تلومهم أو حتى أن تنصحهم ... ما أكثر ما لا جدوى منه ...في هذه المدينة ، مدينة الملاهي ، المدينة القديمة الجديدة ... المدينة العريقة الكريمة المجيدة ... المدينة الحديثة العاهرة المتبرجة ... جنة الأثرياء والفتيات الجميلات العاريات وغير هؤلاء وأولئك ، من الشاذين جنسيا ... مقبرة الفقراء والمتسولين والمعوقين من كل الأشكال والألوان والصفات ، المدينة بفنادقها وعماراتها ... القرية بدروبها وأزقتها وإداراتها ، فقر معرفي وجهل ثقافي ، كثير من أهلها حتى لا أقول كلهم لا هم له إلا الطعام والشراب والنكاح ... واستقبال السياح وإرضاؤهم بما لذ وطاب من الطعام والشراب والكسكس والفتيات لذيذات الطعم البهيات الشكل والصورة...