مقدمة:
ليست "الأكاسيا" في هذا العمل شجرة فقط، بل رمزا شاسعا لجغرافيا داخلية تنبت بين الحنين والخذلان، بين الحرف والنداء. في مؤلفه "يسألونك عن الأكاسيا"، لا يقدم الأديب المغربي محمود أبو القاسم ديوانا شعريا بالمعنى المألوف، بل يطلق كائنا لغويا هجينا، يتراوح بين القصيدة، الخاطرة، التأمل والمكاشفة الحية.
وهذه الدراسة النقدية الممتدة في ستة محاور، ليست احتفاء مجردا بتجربة صديق عزيز وأديب أصيل، بل محاولة للاقتراب من روح نصوصه، وتحليل أدواته، وتقويم معمار كتابته، مع استحضار تفاعلاتها الممكنة مع أعلام الشعر الفرنسي الحديث وغيرهم من المبدعين العرب الكبار.
لم يكن الهدف من هذه القراءة تثبيت رأي، بل فتح أسئلة: عن الذات، عن الوطن، عن اللغة، عن جدوى الشعر حين يصبح الحياة نفسها. لذلك، فهي قراءة للقارئ كما للشاعر… بحثا عن ذلك النبض الصادق الذي يتلعثم، لكنه لا يكذب.
المحور الأول: "يسألونك عن الأكاسيا" بين إرادة الكتابة وكتابة الإرادة: انبثاق الذات وتمرد النص
- تمهيد: الكتابة لا كمهنة بل كحالة نجاة
في زمن تسلعت فيه الكتابة وتحالفت مع الاستعراض، يخرج علينا الأديب اللبيب محمود أبو القاسم من قلب الجنوب المغربي، لا ليعرض منتجا قابلا للترتيب في خانة أجناسية، بل ليعلن حالة وجودية كاملة تحت عنوان بسيط: "يسألونك عن الأكاسيا". عنوان في ظاهره تأملي نباتي، وفي جوهره محاولة للتماهي مع شجرة بالغة التناقض: صلبة في جذرها، شائكة في قشرتها، رقيقة حين تنثر زهورها على التراب.
ولعل أول ما يفاجئ القارئ أن الأكاسيا هنا ليست مجازا فقط، بل هي أداة مواجهة ناعمة بين كاتب قرر ألا يلبس خوذة الشعر ولا درع الخطابة، وبين واقع قاحل فكريا واجتماعيا. فالكتابة بالنسبة له ليست مهنة أو هواية بل حالة نجاة.
1- من "عناقيد الحصرم" إلى "الزاك": نظام داخلي يرفض التصنيف
يأتي هذا العمل في هيئة كولاج نثري مفتوح، لا يستجيب لمعيار التجنيس الصارم. وإذا تتبعنا فهرس المؤلف الذي يضم تسعة وتسعين عنوانا فرعيا، نلاحظ تنويعا دلاليا وجنسيا لافتا، وهذا الجدول يعطي فكرة نموذجية لا عمومية: