1.مقدمة في اللسانيات التنموية
1.1.نظرة استكشافية
يقول جان بول سارتر" الإنسان هو اللغة، إن الإنسانَ هو أولا ما يقولُه"،[1] لكن اللغة تتعدى هذه المقولة وتتعدى بذلك كونها تعبيرا عن الفكر أو وسيلة للتواصل إلى كونها وسيلة الحركة الإنسانية كلها، سواء تعلق الأمر بالمجال العلمي، الاجتماعي، التربوي، الاقتصادي، أو السياسي، فاللغة وعاء ذلك كله ووسيلة ذلك كله، وإذا تراجعت اللغة توقفت الحركة الإنسانية وتوقف معها الاتصال والتواصل بل وحتى التفاهم، حتى لو كان بإمكاننا تصور مجتمع بدون نظام لغوي فلا يمكننا تصور وضع راهن لمجتمع بدون مراكز بحث وعلوم ومؤسسات تعليمية ووسائل اتصال ومعاملات بنكية وتجارية... ولا يمكن تحقيق أي من هذه الأنشطة بدون لغة، مادام التطور والتقدم مرتبطين بالناس فإن المساهمة التي يطلب منهم تقديمها هي من خلال المشاركة في التواصل ونشر المعلومات وتبادل المعرفة والتغذية الراجعة واكتساب المهارات، وما ينبغي ملاحظته هو أنه عندما ينظر إلى الأسباب التي تؤدي إلى الفشل في تحقيق أهداف التنمية لا يتم ذكر اللغة كعامل مساهم بل يُنظر إلى التنمية من منظور ضيق يرتبط بما هو اجتماعي واقتصادي مع إهمال العامل البشري، فاللغة هي الحلقة المفقودة في محاولات النهوض بالمجتمعات البشرية. وهذا ما يجعلنا نتساءل: كيف يمكن للغة أن تساهم في تحقيق التنمية؟ - وما دور اللغوي في ذلك؟
1.1.1.نظرة في المصطلح
- مفهوم اللسانيات
تعد اللسانيات la linguistique من العلوم المستحدثة، حيث يوثق لظهورها بداية القرن العشرين، ورغم ذلك احتلت مكانة كبيرة في حقل العلوم الإنسانية، أطلق عليها العرب عدة تسميات من قبيل: اللسانيات، اللّسنِيات، الألسنية، وعلم اللغة العام، وفقه اللغة، وعلم اللغة، وهي تسميات لمصطلح واحد أخذ جذره اللغوي من مادة لسن، و"اللسن الكلام ولاسنه ناطقه"[2]. يعرفها الحليلي" أنها العلمُ الذي يدرس اللغات الطبيعية الإنسانية في ذاتها، مكتوبةً أو منطوقة كانت أم منطوقة فقط ... وتهدف إلى وصف وتفسير أبنية هذه اللغات واستخراج القواعد العامة المشتركة بينها والقواعد الخاصة التي تضبط العلاقات بين العناصر المؤلفة لكل لغة على حدة[3]، هذا التحديد لا ينفي انشغال العلماء والفلاسفة قديما باللغة غير أن انشغالهم هذا كان مجرد انطباعات حول اللغة أخذت صفتها العلمية مع ظهور لسانيات دو سوسير التي شكلت مهد الدراسات اللغوية التي سادت في أوروبا وأمريكا بكل اتجاهاتها إلى حدود يومنا هذا، وحسب الحليلي لا ينظر إلى موضوع اللسانيات على أنه اللغة بمعناها العام أي الملكة اللغوية والقدرة على اللغو بغض النظر عن العرق والجنس والمجتمع، وإنما هو اللسانla langue ذلك النسق من القواعد المجردة العامة المشتركة بين المتكلمين داخل مجتمع واحد.[4] وهذا إن دل فإنما يدل على أن أصل اللغة عند الأفراد نابع من طبيعتهم الاجتماعية التي تلازمهم، ومن حاجاتهم إلى التواصل مع الأخر.
-مفهوم التنمية
جاء مفهوم التنمية في المعاجم العربية بمعنى الارتفاع والزيادة،[5] وارتبط هذا التعريف بالمعنى الاصطلاحي أيضا، فتعلق حصرا بالجانب الاقتصادي والاجتماعي، فكانت العناصر المادية هي المحدد الأساس للتنمية، لكن لاحقا اتسعت الرؤية بخصوص هذا المفهوم وأصبحت أكثر شمولية، فعندما تُحدد التنميةُ بدقة بحيث ترتبط بنمو الإنتاج وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي أو الدخل الفردي وتوزيع الثروات والاستثمارات الأجنبية، فنحن هنا أمام وضع يسمى" بالنمو الاقتصادي" وليس" التنمية الاقتصادية"، لأن الوضع الأول مرتبط بالقيمة والسلع والخدمات، بينما الوضع الثاني يرتبط برفاهية المواطنين، بحيث من الممكن تحقيق نمو اقتصادي دون تنمية اقتصادية، فقد تُسجِّل دولةٌ ما ارتفاعا في الناتج المحلي الإجمالي بينما يعيش أفرادها في فقر مدقع، لكن لا يمكن إنكار أن النمو الاقتصادي أحدُ جوانب عملية التنمية المستدامة، فهذه الأخيرة هي الغاية بينما النمو الاقتصادي مجرد وسيلة.[6]