في نهاية نوفمبر ما قبل الأخير، عقد بموسكو مؤتمر مجموعة Vperiod ("إلى الأمام! ")، وهي منظمة سياسية ماركسية روسية صغيرة أغلب أعضائها من الشباب. على الرغم من صغر حجمها، فهي ناشطة داخل حركة مناهضة للعولمة، كما في دعم نضالات العمال. ينشط هؤلاء المناضلون الملتفون حول جريدتهم، في مدن روسية مثل ساراتوف، ياروسلاف، سمارة، سانت بطرسبرغ أو حتى تيومين.

هم يواجهون وضعا صعبا للغاية. السيد المطلق للإعلام، للبرلمان، للمؤسسات والنقابات، فلاديمير بوتين تمكن فعلا من استغلال سلبية السكان الذين يعانون، في معظمهم، من الآثار المدمرة لقوانين السوق بلا جهاز للحماية والذين يجب عليهم أن يضمنوا بشكل متزايد معيشهم اليومي بواسطة "تدبيرهم" الشخصي.

في مواجهة تعدد الهجمات المعادية للمجتمع والقمع ضد النقابيين المستقلين، بدأت المقاومة الشعبية في الظهور. نقابتانان مستقلتان سعتا جاهدتين لتنظيم أنفسهما ضد الاتحاد الرسمي: الأكثر راديكالية، زاشيتا لديها حوالي 90،000 عضوا، واتحاد العمل يضم ما يقرب من مليون عضو.

ملخص:
قدّم فيلسوف البلاغة الجديدة ش. بيرلمان سلسلة من المحاضرات حول فلسفة المنطق في خمسينيات القرن الماضي، وقد تمّ جمعها، فيما بعد، في ثلاث كراسات نُشرت عام 1959 وأُعيد طبعها سبع مرات. اشتملت الأولى والثانية منها على مقدمة تاريخية في الفلسفات القديمة للعصر الإغريقي؛ وللعصور الوسطى وللأزمنة الحديثة. أما الثالثة فقد تضمنت على قسمين: الأول حول عناصر المنطق الشكلاني؛ والثاني احتوى على الخطوط العامة في نظرية الحِجاج الذي تمّ ترجمته في نصنا هذا، إضافة إلى ترجمة مُقدِمة المؤلِف للكراسة الثالثة. وسوف نقوم بترجمة ونشر الكراسات الأخرى تباعاً.

*  Chaïm Perelman : Cours de logique … Logique Formelle et Théorie de l’argumentation (Pro manuscripto), 3 fascicules, PUB, 1959, 7e éd. 1964. Premier fascicule, Introduction historique…Antiquité. Deuxième fascicule, Introduction historique…Moyen âge et Temps modernes.

اعتبارات أولــــــــــيّــة

على الرغم من تعدد مفاهيم المنطق وتنوعها، إلا إنها ترتبط جميعاً بفكرة الإثبات. فالمنطق هو دراسة طرق الإثبات في الاستدلال.   

واياً كانت الفكرة التي لدينا عن الإثبات، فهو مفهوم يتعلق دائماً بأطروحة موضوعة في شكل صيغة معبر عنها بلغة معينة. وهذا ما لا ينطبق على الحالات السايكولوجية التي تمر بها النفس الإنسانية، مثلاً، فهي حالات نختبرها ونشعر بها، لكنها ليست موضوعة في شكل صيغة محددة، ولا يمكن إثباتها. من هنا، جرى حسم دور لغة العامة القابلة للتواصل بسهولة، بل وكان اقل الميزّات تنازعاً عليها في المنطق.

تقديم: يطرح الباحث البلجيكي "دانيال زامورا" في هذا المقال (من جريدة "لوموند دوبلوماتيك"، جانفي 2019) مسألة الانتقال من الطرح التقليدي لمسألة العدالة الاجتماعية- وهو طرح يرتكز على مفهوم الدولة الراعية وعلى التحليلات الاشتراكية الماركسية التي تعود إلى القرن التاسع عشر- والطرح المعاصر لدى علماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع الذين واكبوا تطور الرأسمالية المعاصر والأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها. ففي حين يركّز الطرح التقليدي على نقد الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء وعلى ضرورة تدخل الدولة من خارج المنظومة الاقتصادية لحل مشكل الفقر واللامساواة (أي أنه يعتبر المشكل سياسيا واجتماعيا)، يتّجه الطرح المعاصر أكثر فأكثر إلى التعامل مع الفقر باعتباره حقيقة مستقلة عن الفوارق الاجتماعية بين الأفراد وعلى ضرورة معالجته معالجة مالية مستقلة لا تتضارب مع مقتضيات اشتغال السوق(بمعنى أنه يحوّل الفقر إلى مسألة اقتصادية بحتة). وهو ما يطرح أمامنا سؤالين اليوم: هل ستنجح المنظومة النيوليبرالية في التعامل مع الفقر بفصله عن جذوره الاجتماعية العميقة إلى ما لا نهاية؟ أم أن زخم التناقضات الاجتماعية سيعيد مسألة اللامساواة والفقر حتميّا إلى حلبة الصراع الاجتماعي والى الجذور الحقيقية للمشكل؟ أهمية هذا المقال تتأتى من كونه يرصد في إيجاز مراحل تطوّر التفكير الاقتصادي المعاصر في مسألتي الفقر واللامساواة وينظر في مدى مشروعية المقاربة النيوليبرالية لهما.

في كتاب "مغامرات صوفيا، الفلسفة في رواية القرن الثامن عشر"، الذي نشر سنة 2013، يتساءل كولا دوفلو، أستاذ الأدب في جامعة جول فيرن بمنطقة بيكاردي الفرنسية، عن "رحلات صوفيا العجيبة في عالم الرواية"، في حين يبدو الخطاب الفلسفي، بحكم ميوله، متعارضا مع البنية الروائية، مع الشعر (مع الخيال بشكل عام)، ويظهر البعد الفكراني للفلسفة - كما ذكرنا بذلك بول ريكور - متلائما بصعوبة مع أسلوب السرد. ومع ذلك، فإن حضور الفلسفة في رواية القرن الثامن عشر هو موضوع هذا الكتاب المليء بالمعلومات، ولكنه يؤيد فوراً الفرضية التالية: الرواية "المخصبة" بالفلسفة سلكت في القرن الثامن عشر منعطفا خاصا. هذا يعني أنه يتم تقديم تشكل الرواية هنا دون الإشارة إلى أصولها، إلى "طور تكوينها"، ولكن في صورة تم اعتبارها في حينها مكتملة، وموجهة إلى معرفة التحولات الأسلوبية تحت تأثير فلسفة العصر. صحيح أن كولا دوفلو يؤكد، مع جان جينيت، أن اللغة الإنجليزية هي أكثر دقة من الفرنسية، بتمييزها بين novel (الرواية "الواقعية" التي ولدت مع ديفو وريتشاردسون وفيلدينغ) وromance، السرد المحيك بأحاسيس غرامية ومغامرات عجيبة.

تقديم:
بعد إشرافه على إدارة المعهد الوطني العالي للفن المسرحي خلال ثمان سنوات، أنيطت بمارسيل بوزونيه Marcel Bozonnet مهمة الإدارة العامة لمؤسسة المسرح الفرنسي منذ خمسة عشر سنة. بعد مرور سنوات على هذا التعيين، اشتغل هذا المخرج المسرحي على عرض مسرحية "Le Tartuffe" بدار موليير. بهذه المناسبة التقت مجلة "لوبوان" الفرنسية الذائعة الصيت بمارسيل بوزونيه وأجرت معه هذا الحوار الذي أنقل في ما يلي نصه الكامل إلى العربية.

- "لوتارتيف" مسرحية ساخنة وسوف تبقى كذلك. لماذا؟
+ إنها ملتهبة حتى! مهمتي هي إدارة مسرح: أنا لا أتواجد أمام المواقد، بل أمرر الأطباق. عندما أقوم بتشخيص موليير، ألامس النار. هذا مشروع مختلف تماما..نستطيع مراكمة جميع المعارف: القليل من التنقيب غير مضر..لكن في ما بعد، نكون جميعا عراة، محروقين بنار الوضعية. إنها تجربة صدق مع الممثلين، مع الجمهور ومع الذات.

مسرح الإله ديونيزوس

 شكل الإله ديونيزوس في الميثولوجيا الاغريقية، ذلك الجانب الحيوي والواقعي في نفس الآن، كما اعتبر سقراط ـ تلك الشخصية التي تحوم حولها علامات استفهام كثيرة ـ الجانب الآخر الذي أعلى من التشابه والتذكر والفكرة والفضيلة.. ديونيزوس ينتصر للحظة، أي للحياة، بينما يدينها سقراط معتبرا إياها مرضا توجب الشفاء منه عن طريق الموت. إذا ذهبنا مع ديونيزوس إلى أبعد نقطة، نكون على مشارف أعتاب الجنون، وإذا سرنا حذو النعل بالنعل مع سقراط، سنقصي ما لا يجب إقصاؤه. هل يمكن أن نتخلى عنهما معا؟ أم هل سننتصر لواحد دون الآخر؟ تصوروا معي حياة يسود فيها القياس في كل شيء. وتصورا معي واحدة أخرى عنوانها تيه متواصل دون بوصلة، ولو لهنيهة وحيدة من الزمن.. الحال أنه بفضل النبش الذي قام به نيتشه بين تضاعيف تاريخ الفلسفة، سيتمكن الرجل من استعادة هذا الذي تم طمسه بوعي أحيانا، وبغير وعي أحيان أخرى، أي بالإعلاء من شأن ديونيزوس كروح من خلالها تتدفق الحياة تباعا، لكن مع ضرورة التخلص من السقراطية التي اعتبرت حاجزا ضد الاختلاف والنسيان والجسد والحياة.. في هذا النص، سنتوقف عند مميزات كل تقليد، وكذلك عند الآثار التي يخلفانها.. سنتخيل أو قل سنفترض أيضا نتيجة الإنصات لكل تقليد بعينه.. وقد يكون الأمر ممتعا، عندما سيحاول القارئ تصنيف نفسه بين ديونيزوس نيتشه، وسقراط أفلاطون، لكن دون القفز عن وجهة نظر لاورنس التي اعتبرت حصيفة في هذا المقام..       

" رحلة إلى الشرق " هو ذا عنوان كتاب جرار دي نرفال الكاتب الفرنسي (1808- 1855). يضم هذا الكتاب بين دفتيه يوميات سفر مؤلفه الى الشرق. هل تأخذ هذه اليوميات شكل استطلاع اثنوغرافي أم جاءت على شكل سبر للمتخيل؟ يتأرجح الجواب على هذا السؤال بين مفاجآت التجربة المعاشة وبين الجمال العجيب للسراب. فاذا كان الكاتب يستدعي في آن واحد المؤرخين والشعراء والحالمين والمستشرقين، فلأنه يلاحظ أكثر مما يخرف. هذه الدراسة أنجزها ميشال جانوريه كمقدمة لكتاب نرفال الصادر مجددا ( في جزئين ) بباريس سنة 1980 عن دار النشر غارنييه- فلاماريون. ونظرا لما تكتسيه هذه المقدمة من أهمية على المستويين الأدبي والمعرفي، أقترح على ترجمتها الى العربية في أربعة أجزاء.

- الشرق التائه

إن ما يتأصل في الشرق يعرفه الرحالة الغربي منذ الحروب الصليبية؛ الانسان، الايمان والحقيقة. نفس البحث، الذي بوشر منذ الأبد، يقود الحجيج والمجوس نحو نقطة أصلية، فيها ينعقد ( من العقدة ) كل شيء. بتوجيه محكم، جعل كل من شاتوبريان ولامرتين سفرهما يدور حول الأرض المقدسة. للعالم، بالنسبة لهما، مركز، كما لخط سيرهما معنى. فلوبير نفسه، وهنو متهم قليلا بالتعصب، سجل خلال مساره المحطة الضرورية للقدس.

أود أن أقدم لكم بعض الملاحظات على الفلسفة الفرنسية بدءا من مفارقة: ما هو الأكثر عالمية هو أيضا، في الوقت نفسه، الأكثر خصوصية. هذا ما يدعوه هيجل بالكوني الملموس، توليفة ما هو عالمي تماما، وهو للجميع، وفي الوقت نفسه، لديها مكان ولحظة معينين. الفلسفة هي مثال جيد. كما تعلمون، الفلسفة كونية تماما، وهي موجهة للجميع، من دون استثناء، ولكن هناك في الفلسفة خصوصيات وطنية وثقافية قوية جدا. هناك ما أسميه لحظات الفلسفة، في الفضاء والوقت المناسبين. ولذلك تمثل الفلسفة طموحا كونيا للعقل، وفي الوقت نفسه تتجلى في لحظات فريدة تماما. دعونا نأخذ مثالين، لحظتين فلسفيتين مكثفتين ومعروفتين بشكل خاص. أولا، لحظة الفلسفة اليونانية الكلاسيكية، بين بارمينيدس وأرسطو، بين القرن الخامس والثالث قبل الميلاد، لحظة فلسفية خلاقة، مؤسسة، استثنائية وأخيرا قصيرة زمنيا. ثم لدينا مثال آخر، لحظة المثالية الألمانية بين كانط وهيغل، فيخته وشيلينج، وتلك أيضا لحظة فلسفية استثنائية، من أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، لحظة مكثفة، خلاقة ،لكنها، مرة أخرى، لحظة قصيرة من حيث مدتها الزمنية.