كنتُ تائها... شاردا.. أمشي في رواق الحرم الجامعي متَّئد الخطى... معلقا محفظتي على كتفي... لا أدري أين أمشي، ولا كيف أكون...
كنت أنظر حواليَّ في الطلبة والطالبات.. لأبحث عمَّن يشبهني.. عمَّن يقاسمني شرودي الذي ما عدتُ أفهمه... لكني في كل مرة لا أجد ضالتي...
طلبة مجتمعون هنا وهناك ليسوا إلا مختلفين عني، إن ضحكاتهم تتعالى..، لتصطدم بي، لترسم ملامح متعرجة على وجهي... أحاول أن أتصنع ابتسامة صفراء لأبدوَ مثلهم، لكن هنالك شيئا مّا في داخلي يمنعني، يخبرني ويلح أن أكون نفسي، ليس من الضروري في شيء أن أسايرهم...
وفي غمرة ذلك أرفع رأسي.. لأجد لافتة كبيرة معلقة في مدخل المدرَّج، أقرأها: "أنتم طلاب العلم، بكم نبني مستقبلنا..."
من الجبل إلى المحيط تذكرة ذهاب وإياب – نص: حسن إدحم
1
صفحات فارغة،
ما قيدته في هذا الكناش قليل، كنت أود أن يكون هذا الكناش بمثابة ذاكرة ورقية أستودعها بعضا من أحداث هذه السنوات الستة التي أمضيتها بالصويرة، ولكن عندما أطالعه اليوم أصاب بخيبة كبيرة، إني لا أكاد أعثر بين صفحاته إلا على جمل لا معنى لها، أو على فقرات كتبت على عجل بدون سياق.
أنهزم دوما أمام أوهام التأجيل المستمرة، لا أتغلب على نفسي التي تغريني بمتسع الوقت الذي أمامي لتدوين الوقائع العظام التي ستأتي تباعا، أما توافه الأمور اليومية، فلا تستحق عناء التقييد، فقد لا تكون بقدر ثمن الحبر الذي تدبج به. أقلب هذه الصفحات اليوم وأنظر فيها كأنها تلعنني قائلة: أين فتوحاتك الكبيرة، وفي أي موضع خلفت انتصاراتك المباركة؟ ولماذا لم ترسم على وجهي؟. فرق كبير دوما بين رغباتنا الكبيرة وما نستطيع أن نسرقه من الأيام ونجعله واقعا متحققا، فعندما حللت بالصويرة، أخذت هذا الكناش وقلت أنه سيكون رفيقا ومعينا، أعود إليه كل مرة لأستودعه ما أراه، وما أتوصل إليه من نظر في شؤون الحياة الجديدة بهذه المدينة، غير أن هذا كله لم يقع على الوجه الذي أردت.
صريمٌ و سديمٌ - ذ . رشيد سكري
هكذا تبدو قرطبة شاحبة مثل الصريم ...
على طول وادي الهدير صوت عال يشق العنان ؛ ناسٌ زرافات ووحدانا ، يحملون أمتعهم ، ويشدونها بحبال على مطاياهم . راحلون في غسق مدلهم ، وفي أول فجر طلوع . دروب قرطبة ستـُستطاب للقادمين الغزاة ، سيعيثون في حاراتها ومساجدها ومناراتها فسادا ... إنهم الإفرنجة ، وما يأتي من قر الشمال . سيصفعون فجر قرطبة ، هذا الفجر الوليد ...
ـ وأنت يا ابن رشد لن تدخل مساجد الله بعد الآن .
من خلف ستار صفيق ، اشرأب بنحره حتى ظهر منه الوريد
ـ سأعيش بالقرب منك ... حتى توارى الثرى الطهور .
حـــالَتان – نص: أحمد برحال
الحالة الأولى: تَـلَـــبُّسٌ.
في لقاء معه على هامش ثرثرة حضرتها عن طريق الخطإ، في إحدى الندوات التافهة شكلاً، و الفارغة مضمونا، أثار صديق مُبتلى تعرفت عليه حينا، موضوع تلبسِ النص به في أوقات ربما في الكثير منها غير مناسب، وأنه عندما يبدأ في الكتابة يجد نفسه في بعض الأحيان يكتب باسترسال ظاهر وكأن جنيا يغذي عقله بأفكار ممتدة بخيط يدليه من الأعلى و يصب محتواه في المخ صَباً دون سابق ترتيب للقاء، فلا يتوقف قلمه عن الكتابة، استجابة لأفكار تتساقط عليه أحجارا من جبل، تصيب دماغه بشكل مباشر، فلا يكلف نفسه إلا بِتَرْجمتها إلى كلمات، ووضعها في جمل تحمل المعاني التي يوحي له بها هذا الكائن الغريب، الذي يزوره في أوقات غير مناسبة.
حكى لي صديقي فقال:
ــ يبدو أن هذا المخلوق، لم يجد سكنا يلبي طموحاته في مشروع الدولة المسمى "اجتماعي"فقرر أن يسكن عظامي.
العزلةُ المقدّسة – نص: عبد اللطيف الحسيني
ربما ماركيز وصفَ هذه العزلةَ بالمقدّسة ليقينه بأنّ المرءَ يعيشُ فيها ملءَ حياته بعيداً عن ضجيج الواقع وبما يقابلُه الأكثرُ ضجيجاً وسائلُ الاتصال الاجتماعيّ التي ينعدم فيها التواصلُ.... غيرَ أنّ الأنفسَ الكبيرة تحيّي بعضَها عن بُعد في فترات متباعدة ، فغربةُ المكان تستبدُّ بالمرء وتفضي به إلى غربة الزمان الغابر المعادي مستثنى منه سَمَر الأصدقاء والعمر الذي قفز من سنة إلى سنوات بلمح البصر والبصيرة الشائخة، مضافاً إلى هذه الغربة غربةَ اللغة.أستشهد دوماً بمعاصرنا المتنبيّ" غريب الوجه واليد واللسان."
...
فـمٌ .. بِربطةِ عُنُق – قصة: حسن حصاري
داهمني بغتة شرودٌ غريب بسبب ما بذلته من جُهد تفكير صباح ذلك اليوم، وأنا جالسٌ رفقة صديقي محمد مساء بأحد المقاهي المتواجدة بشاطئ المدينة. أطلقتُ العنان لنظري لكي يسرح بعيدا إلى ما وراء أفق البحر أمامي. وكأني أجلسُ وحيدا أتأمل ما بدواخلي، كسرَ صوتُ صديقي هدوء احساسي بخلوةٍ عابرة وهو يخاطبني بمرح قائلا: انظر إلى هذا البحر، هل كنت ستجده في مكان غير هذا .. ؟
أومأت له تأكيدا بإشارة من رأسي، نظرت إليه بتفاؤل، تعبيرا عن امتناني له.
جـــدار – قصة: أحمد برحال
في بلدة قَصِيّة من بلدان الجنوب، وفي زمن من أزمنة التاريخ، يُحكى أن حاكم البلدة، نَصب جدارا في الضاحية الشمالية منها، بعلو لا يسمح لسكانها بمشاهدة ما وراءه، إذ ظل ما وراء الجدار غائبا عن إدراك الأهالي، ولا يُسمح لهم حتى بالتساؤل حول ما يدور هناك، ولا التفكير في المساحة الممتدة خارجه، ولا حتى إدامة النظر للجدار نفسه، وهي بالمناسبة تهمة يُحاكم على إثرها كل من قام بها، و يُتابع بجريمة إدامة النظر إلى الجدار، وهي من أخف التهم التي يمكن أن تُنْسبَ إلى المتهم، وهناك تهم كثيرة وُجِّهت لكل معتد على حرمة الجدار ومن قائمتها: تهمة الإتكاء على الجدار، تهمة تلطيخ الجدار، تهمة رمي الجدار بالباطل، ...
لباس وفاة- قصة: أحمد العكيدي
حملت الرضيع بين يدي وتأملت وجهه الملائكي الطاهر كسجله الخالي من المعاصي، لمست أطرافه البريئة وفكرت بحاله في هذه الدنيا الموحشة لكنني استطردت:
- الأمر لله من قبل ومن بعد...
انتبهت إلى عيون أمه تراقبني؛ فوضعته في مهده الجميل، قبلت ناصيته ودعوت له في نفسي بالصحة وأملت أن ينعم بحياة سعيدة. هنأت أسرته من جديد وجميع الأحباب والأقارب وانصرفت.
جلست بمقهى أمام الشاطئ، احتسي كأس شاي وأراقب أمواجا تلطم الصخور وتتكسر حولها وحيالها لتبدع صوتا رخما جميلا تحمله قطرات ندى، يحط بعضها على وجهي ويشعرني بالحياة.